الصفحة 40 من 416

فكرة التمذهب مسندًا لها ودافعًا لوقوعها، فكثيرًا ما انتهت هذه المناظرات إلى طريق مسدود لم يتفق الطرفان فيها على حلٍ نهائي، حتى أن العلماء لا يجدون أنفسهم بحاجة إلى التحايل واصطناع المواقف في مثل هذه المناظرات؛ ويكتفون بالحكم على خصمهم بخلاف أصوله ليظمنوا بذلك أنهم قد أوردوه مورد الخطأ وإن كان الخصم مصيبًا وفق قياس مذهبه، وهذا يمتنع لدى أبي البركات الأنباري فقد قال في (وصف السائل) : (( وألاّ يسأل إلا عمّا يلائم مذهبه، فإن سأل عمّا

لا يلائم مذهبه لم يُسمع منه، مثل أن يسأل الكوفي عن الابتداء: لِمَ كان عمله الرفع دون غيره؟ هذا سؤال لايُسمع منه وهو لا يقول إنه عامل البته، فلمّا سأل عن تفصيل ما يُنكر جملته لم يسمع منه )) [1] ، فالأصل في السؤال هو إرادة التعلّم من طريق الاستفهام لا الاستنكار، فإذا كان المنُاظِر سائلًا ـ وهو لآبد أن يكون كذلك ـ وجب أن يتنزّل منزلة المستفهم، قال أبو البركات الانباري: (( إعلم أن السائل ينبغي له أن يقصد قصد المستفهم المتعلّم ) ) [2] ؛ وإن لم يكن كذلك، لأن الجدل إنما هو طريق الوصول الى الحقيقة بأن يقيس العالم المستفهم علمه على الحقيقة؛ لا أنْ يقيس الحقيقة على علمه، لذا وجب أن يتنزّل بسؤاله منزلة المتعلِّم، ويكون سؤاله سؤال متعلِّم، ولمّا صار هذا شرطًا في السائل يتمّ به وصفه؛ إختلف النحاة فيما يلي هذا الوصف؛ كيف يتناسب مايجنيه العالم من سؤاله مع مالديه من علم إنْ تنزل بسؤاله منزلة المتعلّم؟ فالسائل بين أن يكون مستفهمًا على وجه الحقيقة ولا مذهب له، وبين أنْ يكون له مذهب وعلمه مستمدّ منه؛ أو عن طريقه؛ إلا أنه تُنزِّل منزلة المُتعلِّم الذي يقصد الصواب، أو أن يُعترف بمذهبه مع أنه منزّل منزلة المتعلّم، لأنه إنما يتعلم مالا يلائم مذهبه؛ فعن طريق مذهبه؛ يصل الى الحقيقة، فالعلم الذي يكسبه من خلال سؤاله لابدّ أن يكون موافقًا لمذهبه لئلا تكثر عليه المذاهب، وهذا ما أخذ به أبو البركات الانباري وقال بأنه مذهب الجماعة؛ فقال: (( ولهذا ذهب مَنْ ذهب إلى أن السائل ليس له مذهب وإنما ذهبت(الجماعة) إلى أنه لابدّ له من مذهب لئلا ينتشر الكلام إلى مالا يُحصر فتذهب فائدة النظر )) [3] ، إذ لا توجد معايير عامة ومشتركة يمكن التعويل عليها وبشكل قطقعي للحكم على هذه المناظرات؛ بل لقد وقع الحكم على أغلبها بالاستناد على الأصول الخاصة لكل مذهب منها، ولمّا كان ذلك لزِمَ ألاّ يسأل المُناظر إلا عمّا يلائم مذهبه؛ لئلا يحكم على خصمه بخلاف أصوله؛ والواقع أن علماء المذهبين مع ذلك لم يتوانوا في تراشق سهام التخطئة إستجابة لمعطيات المناظرة وتطبيقًا لمبدأ الخلاف، وإن كثيرًا من هذه المناظرات ـ كما يرى الدكتور عبد الحسين مبارك ـ (( لم تكن كما يبدو لأول وهلة في تصورنا تبدأ بسؤال وتنتهي بجواب يقود إلى السلب في أغلب

(1) جدل الإعراب: 37.

(2) المناظرات النحوية واللغوية بين الجدية والإفتعال (بحث) 254.

(3) هو أبو علي الحسن بن الخطير بن أبي الحسن الظهيري النعماني نسبة الى النعمانية قرية بين واسط وبغداد، كان مبرّزًا في النحو واللغة والعروض والقوافي والشعر والاخبار ويحفظ في كل فنٍ كتابًا. ينظر: بغية الوعاة: 1/ 502ـ503.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت