الصفحة 41 من 416

الأحيان، وإن ما وجدناه من هذا القبيل في مراجعنا القديمة لا يعدو أن يكون على رأي يُخالف مذهب السائل، وليس خطأ كما نتصور قياسًا على تصور السائل في تخطئة المسؤول )) [1] .

2ـ اللغة: وهي وسيلة التناظر، جعلوها شرطًا من الشروط التي يجب على المناظر الإلمام بها حتى

يكون نظيرًا لغيره، هذا ما قاله الحسن بن الخطير (ت 598هـ) [2] في مناظرة لم يكن فيها نظيرًا لخصمه، فاحتال لنفسه بمستغلق القول ومتقعَّر الألفاظ؛ فلما احتاج خصمه إلى تفسير ما قال، أخذ إبن الخطير يُشنِّع عليه ويقول: (( أنظر الى المدّعي رتبة الإمامة يجهل لغة العرب، التي بها نزل كلام رب العالمين، وجاء حديث سيد المرسلين، والمناظرة: إنما اشتُقت من النظير، وليس هذا بنظيري، لجهله بأحد العلوم التي يلزم المجتهد القيام بها، وكثر لغط أهل المجلس، وانقسموا فريقين: فرقةٌ لي، وفرقةٌ عليَّ، وانفضَّ المجلس على ذلك، وشاع في الناس أني قطعته ) ) [3] .

إن اللغة العربية بنحوها إلّم تكن مادة للمناظرة كانت وسيلة للتناظر؛ فقد يأخذ المُناظرِ على لغة نظيره شيئًا يقطعه به. قال أبو البركات الانباري: (( إعلم أن السؤال هو طلب الجواب بأداته في الكلام، وهو مبني على أربعة أصول: أحدها سائل، والثاني مسؤول به والثالث مسؤول منه، والرابع مسؤول عنه ) ) [4] ، وهذه من حسنات اللغة بعدّها وسيلة التناظر الرئيسة (مسؤول به) ؛ فقد أدخلت هذه الوسيلة كثيرًا من المناظرات التي وقعت بين علماء ذوي علومٍ شتّى هي أبعد ما تكون عن اللغة والنحو أدخلتها في دائرة النقد النحوي، ونحن إذ نُذَكِّر أن مدار بحثنا مقصور على النقد الذي دار بين النحاة، واتفقنا على أن لا نعرض لشيءٍ مما سواه؛ فلا بأس أن نلمّ هاهنا بمثال أو مثالين على ذلك، منه ما وقع لأبي يوسف الفقيه (ت 282هـ) [5] مع الكسائي، إذ (( أقبل الكسائي على أبي يوسف [و] قال: يا أبا يوسف هل لك في مسألة؟ قال: نحو أو فقه؟ قال: بل فقه؛ فضحك [هارون] الرشيد حتى فحص برجله، ثم قال: تُلقي على أبي يوسف فقهًا! قال نعم، قال: ياأبا يوسف؛ ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق أن دخلتِ الدار؟ قال: إن دَخَلتِ الدار طَلَقَتْ؛ قال: أخطأت يا أبا يوسف،

(1) معجم الأباء: 8/ 104 - 105.

(2) جدل الإعراب: 37.

(3) هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، يرجع نسبه إلى أبي دجانة الأنصاري الصحابي الجليل (- رضي الله عنه -) تلّمذ على أبي حنيفة النعمان بن ثابت (رحمه الله تعالى) في الفقه، وولي القضاء لهارون الرشيد. ينظر طبقات الفقهاء: 113.

(4) معجم الأدباء: 16/ 121.

(5) يُكنى بأبي بشر وهو من أهل دَيْر قُنَّى. نصرانيًا عالمًا بالمنطق متقدم فيه على أهل زمانه، نزل بغداد بعد سنة 320هـ. ينظر: الفهرست:7/ 322، ونقل ياقوت الحموي هذه المناظرة كاملةً في معجم الأدباء: 8/ 191 - 207.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت