4.الحجج والمعايير: وقد وضع حدّها في الفصول: السابع؛ تحت عبارة (( في الاستدلال ) )،
والثامن؛ تحت عبارة (( في الاعتراض على الاستدلال بالنقل ) )، والتاسع؛ تحت عبارة (( في
الاعتراض على الاستدلال بالقياس )) ، والعاشر؛ تحت عبارة (( في الاعتراض على الاستدلال
باستصحاب الحال )) ، والثاني عشر؛ تحت عبارة (( في ترجيح الأدلة ) ) [1] .
البناء الفني للمناظرات النحوية:
إن المناظرات النحوية بعدّها ظاهرة علمية تقوم على ثلاثة دعائم رئيسة يتكوّن من مجموعها البناء الفني العام للمناظرات النحوية، وهذه الدعائم هي:
1ـ مادة التناظر: شملت موضوعات المناظرة النحوية أغلب مسائل النحو وقضاياه [2] ، فلابدّ أن تكون هناك مسالة يتم التناظر حولها، ويُشترط في موضوع المناظرة أن تكون مسالة خلافية، ... فالخلاف هو الباعث الرئيس على وقوع المناظرة أيًّا كان نوعها؛ إذ لم يرد عن العلماء أنهم تناظروا في شيء كانوا قد سلّموا له أو قالوا به حتى يقع الخلاف فيه ويخرج من دائرة التسليم، فالمناظرة لا تكون مالم يكن هناك إختلاف في وجهات النظر، وإن ارتباط العنصر الخلافي بوقوع المناظرات جعله ينزل منها منزلة الشرط، فالمناظرات النحوية على الإطلاق كان الباعث على وقوعها تباين الآراء واختلاف وجهات النظر.
إنّ نظرة دقيقة في العنصر الخلافي للمناظرات النحوية تجعلنا نميّز فيه بين شكلين من أشكال الخلاف، أحدهما واقعي؛ وأظهر مايكون هذا الخلاف بين المذهبين. والآخر مصطنع؛ يلجأ إليه النحاة بعامّتهم بغض النظر عن إنتماءاتهم المذهبية ليجعلوا للمناظرة من خلاله وجهًا شرعيًا؛ من ذلك ماوقع لابن ولاّدة في مناظرةٍ جرت له مع إبن النحاس، إذ (( قال إبن النحاس لأبي العباس [بن ولاّدة] : كيف تبني مثل (( افْعَلَوْت ) )من رَمَيْت؟ فقال له أبو العباس: أقول: ارْمَيَيتْ؛ فخطّأه أبو جعفر [بن النحاس] وقال: ليس من كلام العرب (( افعلَوْت ولا افعَليْت ) ). فقال أبو العباس إنما سألتني أن أمثِّل لك بناءً ففعلتُ )) [3] . قال محمد بن يحيى الرباحي: (( وإنما تغفّله بذلك أبو جعفر ) ) [4] .
على الرغم من أن هذه المناظرات وماشاكلها تُعدّ رياضةً عقليةً توسع الرؤى وتُنشِط النظر؛ إلا أنها فتحت على النقد النحوي بابًا سلبيًا يفضي إلى إختلاف المواقف ورمي الآخرين بالتخطئة، ومثل هذه المواقف تفصح عن يد الجناية التي شاركت فيها هذه المناظرات بارفاد الخلافات النحوية بين العلماء وتأجيج نار الخصومة، ونحن لا ندّعي أن الخلاف النحوي بصورته الخاصة والعامة جريرة اقترفتها المناظرات النحوية؛ لكنّنا نقطع بأنها ساعدت على تفعيل هذا الخلاف لاسيما المناظرات التي اتخذت من
(1) طبقات النحويين واللغويين:219.
(2) المصدر نفسه.
(3) جدل الإعراب: 38.
(4) المصدر نفسه: 37.