ومهما يكن من شيء فان عهدًا كان للبصريين وللكوفيين لم يكن لعلماء بغداد ولا لغيرهم من علماء الأمصار العربية والإسلامية، لكن البغداديين كانوا الأقرب إلى تلك المجالس؛ فبغداد كانت آخر حلبة يتنازل فيها علماء المذهبين، وكانت آثارهم لا تزال حديث تلاميذهم يرددونها في مجالسهم؛ الأمر الذي دفع بعضهم إلى أن وضع مؤلفات خاصة في تلك المناظرات، وراح بعضهم الآخر يبحث في ضوابط هذه المناظرات؛ ويُنظِّر لقوانينها، وهذه عنايةٌ سبق البغداديون إليها، ففي(معجم
الأدباء) [1] ؛ أنَّ لأبي سعيد السيرافي كتاب (السؤال والمناظرة) ، ووضع تلميذه أبو حّيان التوحيدي
كتاب (المحاظرات والمناظرات) [2] ، إلا أن الكتابين لم يصلا كلاهما.
وممن نظر في فن المناظرات ونظّر لها من علماء بغداد؛ أبو البركات الأنباري، وقد وضع في هذا الفن وقد وضع في هذا الفن كتابين؛ وسم الأول بـ (الجمل في علم الجدل) ووسم الثاني بـ (الإغراب في جدل الإعراب) [3] ، غير أن الكتاب الأول ـ كما تقول الدكتورة خديجة الحديثي [4] ـ نشر مطبوعًا باسم الثاني.
نسّق أبو البركات الانباري (جدل الاعراب) في اثني عشر فصلًا، فجاءت موضوعاته وصفًا
نظريًا للجدل الذي كان قائمًا بين النحاة من خلال النظر في آثار المذهبين البصري والكوفي، فقد أعانته تلك الآثار على صياغة قوانين نظرية حاول أبو البركات من خلالها وصف الواقع الجدلي بين النحاة؛ محاولًا التوفيق بين النظرية والتطبيق. قال في تقديمه لهذه الرسالة: (( وبعد، فإن جماعة من الأصحاب إقتضوني بعد تلخيص كتاب(الإنصاف في مسائل الخلاف) تلخيص كتاب في جدل الأعراب مُعرىً عن الإسهاب، مجردٌ من الإطناب، ليكون أول ما صُنّف لهذه الصناعة في قوانين الجدل والآداب، ليسلكوا به عند المجادلة والمحاولة والمناظرة سبيل الحق والصواب، ويتأدبوا به عند المحاورة والمذاكرة عن المناكرة والمضاجرة في الخطاب ... وفصّلته إثني عشر فصلًا على غايةً من الاختصار وتقريبًا على الطلاب )) [5] .
إهتدى أبو البركات الأنباري إلى أصول هذا الفن بعد أن قضى موازنته النقدية التي عقدها بين آراء المذهبين كما أشار صراحةً، فبعد أن نظر مليًّا في آراء الطرفين أصدر حكمه صريحًا عليها، فالذي ينظر في الكتابين سوف يقدِّر بلا شك العلاقة بينهما، إذ سيجد أن الجوانب التطبيقية في الموازنة المعقودة بين آراء المذهبين بشكل جدلي في كتاب (الإنصاف) ؛ سيجدها ملخّصةً نظريًا في هذه الرسالة
(1) ينظر: بغية الوعاة: 2/ 87.
(2) ينظر: الشاهد وأصول النحو: 322.
(3) الإغراب في جدل الإعراب: 35 - 36.
(4) نزهة الألباء: 76.
(5) الإغراب في جدل الإعراب: 35.