وكثرة ردوده على العلماء، وأغلب الردود التي وقعت بين الأطراف المتنازعة أخذت شكل المساجلة وجرت مجرى المناظرة في المحاورة والجدل، وقد قدم الباحث رضا عبدالجليل الطيار ثبتًا قيمًا بهذه الردود في كتابه (الدراسات اللغوية في الأندلس .. ) [1] .
إن نشاط المناظرات النحوية وانزوائها في بيئة دون أخرى محكوم بتوافر العلماء، لكن هذا العائق لم يكن ليحدّ من نشاط المناظرات في عصر دون آخر؛ فقد منحت الرحلة هذا الفن فرصةً أخرى انتشر عن طريقها العلماء في الأمصار العربية قاصدين بذلك معاهد العلم ومجالس النظر؛ فطالما وجد العلماء المتقنين لصنعة التناظر في أنفسهم حافزًا قويًا يدفعهم للقاء العلماء ومناظرتهم، وكان طبيعيًا أن تكون بغداد مهبط هذه الأفئدة حيث التقى المذهبان؛ ففي بغداد علماء مناظرين، منهم أو علي البغدادي (ت356هـ) ، وهو من أصحاب إبن درستويه (ت347هـ) ، (( قرأ عليه كتاب سيبويه أجمع، واستفسر جميعه، وناظره فيه، ودقّق النظر وكتب عنه تفسيره، وعلّل العّلة، وأقام عليها الحجة، وأظهر فَضْل مذهب البصريين على مذهب الكوفيين، ونَصَر مذهب سيبويه على مَنْ خالفه من البصريين أيضًا، وأقام الحجّة لهُ ) ) [2] .
وممن رحل إلى المشرق وناظر أهله؛ أبو محمد الترسابادي، قال ياقوت الحموي: (( عرف
كتاب سيبويه وأحكم مسائل الأخفش، ثم خرج الى العراق فهابه علماء النحو وانقبضوا عن مناظرته، منهم الزجاج وابن كيسان )) [3] ، وكان أبو سعيد الهروي (ت 536هـ) [4] (( حاذق مناظر ... وجرى بينه وبين الشيخ أبي منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي [ت 539هـ] [5] ببغداد مناظرة في شيء إسختلفا فيه، فقال له الهروي: أنت لا تُحسن أن تنسب نفسك فإن الجواليقي نسبة الى الجمع، والنسبة الى الجمع بلفظه لا تصحّ ) ) [6] . وكان لأحمد بن محمد (ت526 هـ) [7] الملقَّب بذي الفضائل (( مناظرات مع الفحول الكبراء ) ) [8] .
(1) معجم الأدباء: 19/ 123.
(2) هو أبو سعيد ـ وقبل: أبو سعد ـ آدم بن أحمد بن أسد الهروي، كان أديبًا فاضلًا عالمًا باللغة، قرئ عليه الحديث ببغداد لمّا وردها حاجًّا سنة 520هـ. ينظر: نزهة الالباء:289ـ290.
(3) وهو من كبار أهل اللغة أخذ عن الخطيب التبريزي، وكان ثقة صدوقًا، وهو شيخ أبي البركات الأنباري (ت577هـ) وكان له في النحو إختيارات غريبة، صنّف (المعرّب) و (شرح أدب الكاتب) وغيرها. ينظر: نزهة الالباء:293ـ295.
(4) معجم الأدباء: 1/ 101.
(5) هو أبو رشاد أحمد بن محمد بن القاسم الأخسيكتيّ، كان أديبًا فاضلًا بارعًا، له باع في اللغة والنحو، ويد باسطة في النظم والنثر،
أخذ عنه فضلاء خراسان وتلّمذوا له. ينظر: بغية الوعاة: 1/ 374.
(6) بغية الوعاة: 1/ 374.
(7) ينظر: 8/ 153.
(8) ينظر: بغية الوعاة: 2/ 190.