الصفحة 35 من 416

أنفسهم بعلم دقائق العربية وغوامضها، والاعتلال لمسائلها، ثم كانوا لاينظرون في إحالة ولا إدغام ولا تصريف ولا أبنية، ولا يجيبون في شيء منها حتى نهج لهم سبيل النظر، وأعلمهم بما عليه أهلُ هذا الشأن في المشرق، من استقصاء الفنّ بوجوهه، واستيفائه على حدوده، وإنهم بذلك استحقوا اسم الرياسة )) [1] .

ومن جانب آخر قصر الأندلسيون نشاطهم العلمي أول الأمر على مؤلفات الخليل وأبي عبيدة (ت 209هـ) والأصمعي والكسائي وابن ولاّد، وأخذوا يحاكونها في التأليف والنظر [2] ، ولكن مع هذا ضمّت مجالسهم اللغوية بعض النحويين المشهورين الذين كانوا ينظرون في النحو ويناظرون فيه، ومن أشهر تلك المجالس المجلس الذي ضمّ أبو بكر الزبيدي وابن العريف (ت 390هـ) [3] وصاعد اللغوي (ت417 هـ) [4] ، [5] . ثم توالت طبقات النحاة وكثرت مجالسهم فعُرف هنالك علماء مناظرين كابن خروف، والسُهيلي (ت 581هـ) [6] ، [7] وغيرهم، لكن المناظرات النحوية أخذت تنحسر تدريجيًا في الأندلس قُبيل القرن الخامس الهجري، وكان من أسباب ذلك إنشغال الناس زمنًا بمناظرات إبن حزم الظاهري (ت456هـ) الفقهية [8] ، ثم نشطت بعد ذلك بشكل ملحوظ، بل لقد ترتب على نشاطها في القرنين الخامس والسادس الهجريين كثرة الكتب التي وضعت في الرد والنقد؛ والتي أخذت شكل التناظر والتنازع كالخصومة العلمية التي وقعت بين إبن خَلَصَة (ت519هـ) [9] وابن السيد البطليوسي (ت521هـ) [10] ، وقد وصفها السيوطي بأنها: (( منازعات وأهوال ألّف فيها كلّ واحد منها ردًّا على صاحبه ) ) [11] . حتى أن هذه الظاهرة أخذت مدىً بعيدًا لدى نحاة الأندلس كالذي نجده عند إبن خروف

(1) هو أبو بكر الحسن بن الوليد بن نصر القرطبي، كان نحويًا مقدمًا فقيهًا في المسائل حافظًا للرأي، خرج الى مصر ورأس فيها، وضع لأحدهم

يومًا مسألة فيها من العربية مئتان واثنان وسبعون الف وثمانية وستون وجهًا. ينظر: بغية والوعاة: 1/ 527.

(2) هو أبو العلاء صاعد بن الحسن بن عيسى الربيعي، أصله من الموصل ورحل الى الأندلس، كان مقدمًا في اللغة ومعرفة العويص، وكان أحضر الناس شاهدًا، وارواهم لكلمة غريبة، إلا أنه رُمي بالكذب والتزيد. ينظر: بغية الوعاة: 2/ 7ـ8.

(3) ينظر: معجم الأدباء: 10/ 184ـ191، 11/ 281ـ284، والدراسات اللغوية في الأندلس: 102، 104.

(4) هو أبو زيد وأبو القاسم عبدالرحمن بن أحمد بن أصبغ السُهيلي الخثعمي المالقي، كان عالمًا بالعربية واللغة والقراءات، نحويًا متقدمًا أديبًا عالمًا بالتفسير والحديث عارفًا بالأنساب وعلوم الكلام والأصول، روي عن أبي علي الرندي وابن الطراوة، ومن آثاره المطبوعة كتاب (نتائج الفكر) . ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 175ـ 178.

(5) ينظر: بغية الوعاة: 2/ 203.

(6) ينظر: الدراسات اللغوية في الأندلس: 302، وأعلام من المغرب والأندلس: القسم الرابع /24.

(7) هو أبو عبدالله محمد بن عبدالرحمن، من أهل بلنسية أقرأَ فيها وفي غيرها من مدن الأندلس، كان مقدمًا في صناعة العربية والآداب. ينظر: بغية الوعاة: 1/ 128.

(8) سنفرد حديثًا خاصًا عنه وعن كتابه (الحل في إصلاح الخلل) في الفصل الثاني من هذا الباب.

(9) بغية الوعاة: 1/ 128.

(10) ينظر: 35ـ 42.

(11) طبقات النحويين واللغويين: 121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت