وكان المبرد لا يقلُّ براعةً عن شيخه المازني، فقد نزل بغداد واستطاع أن يجذب تلاميذ ثعلب إليه، منهم الزجّاج الذي طلب مفاتشة المبرد بأمرٍ من شيخه ثعلب، وبعد أن قبلَ المبرد مفاتشته أخذ يسأله في النحو حتى والى بين أربعة عشر مسألة يُجيبُ عن كل واحدة منها بما يقنع؛ ثم يفسد الجواب، فلم يجد الزجاج بدًّا من ملازمته [1] ، لذلك كان الوضّاع من الناس والمتعلمين يطمعون في مناظرته، لأن مناظرة العلماء الكبار ترفع من شأن مناظريهم؛ منهم هارون ابن الحائك، (( كان يناظر المبرد، فيقال أنه ناظره يومًا فقال له المبرد: إني أرى لك فهمًا فلا تكابر، فقال له إبن الحائك: يا أبا العباس، أيدك الله، خبزنا ومعاشنا. فقال أبو العباس: إن كان خبزك ومعاشك فكابر إذًا كابر ) ) [2] .
وممن إشتهر بمناظراته الزجاج تلميذ المبرد، إذ ناظر شيوخه كما ناظر أقرانه، إجتمع بابن
الخياط (ت320 هـ) [3] وناظره [4] ، وناظره نفطويه (ت 323هـ) [5] ، وثعلب (ت291هـ) [6] ، ولقي هارون إبن الحائك حتفه على يديه في مناظرة جرت بينهما؛ إذ (( قال الزجاج لهارون: كيف تقول: ضربتُ زيدًا ضربًا؟ فقال: ضربتُ زيدًا ضربًا. فقال: كيف تَكْنِى عن زيد وعن الضْرب!
فأفحمه ولم يجبْه وحار في يده، وانقطع انقطاعًا قبيحًا )) [7] ، قال الزبيدي: (( وجواب هذه المسألة: ضربته إيّاه، وهذا من أول النحو؛ وما كان هارون ليذهب عليه ذلك؛ ولكنْ إذا أراد الله عزَّ وجلَّ أمرًا فلا بدّ له؛ وكان سبب منيّتهِ ما جرى له في هذا المجلس ) ) [8] .
أما أشهر المناظرات في هذه الحقبة [9] فتلك التي وقعت بين الأصمعي (ت216هـ) والكسائي [10] ، وبين ابن قادم (ت بعد 251هـ) [11] ، وابن سعدان (ت 231 هـ) [12] ، وبين المازني وابن السكّيتْ
(1) هو أبو بكر محمد بن أحمد بن منصور المعروف بابن الخيّاط، من أهل سمرقند، قدم بغداد واجتمع بالزجاج وجرت بينهما مناظرات، وكان يخلط بين المذهبين، له في النحو كتاب (معاني القرآن) و (المقنع) . ينظر: نزهة الألباء:185.
(2) ينظر: نزهة الألباء:185، وبغية الوعاة: 1/ 48.
(3) ينظر: معجم الأدباء: 1/ 269ـ270.
(4) ينظر: معجم الأدباء: 1/ 137 وما بعدها، وهي مناظرة طويلة، وممن عُني بهذه المناظرة أبو منصور موهوب بن أحمد الجواليقي [ت 540هـ] وقد وضع فيها كتابًا ردّ فيه على الزجّاج وانتصر به لثعلب، وسمه بـ (الرد على الزجاج في مسائل أخذها على ثعلب) ذكر الدكتور عبد المنعم أحمد التكريتي جانبًا من هذه المناظرة وتعليق الجواليقي عليها في كتاب (أبو منصور الجواليقي وآثاره في اللغة) : 81ـ84، ثم قام الدكتورعبد المنعم التكريتي بتحقيق الكتاب تحقيقًا مشتركًا مع صبيح الشاتي.
(5) طبقات النحويين واللغويين: 151، وبغية الوعاة: 2/ 319.
(6) المصدر نفسه: 152.
(7) ينظر: المناظرات النحوية واللغوية بين الجدية والافتعال (بحث) : 257.
(8) ينظر: مجالس العلماء للزجاجي: 35ـ36.
(9) هو أبو جعفر محمد ـ وقيل: أحمد ـ بن عبدالله بن قادم النحوي، من أعيان أصحاب الفراء، كان يؤدّب ولد سعيد بن قتيبة الباهلي، وله: (الكافي في النحو) و (المختصر في النحو) ،خرج سنة 251هـ ولم يرجع خوفًا من المعتز لدى توليه الخلافة، لأنه كان قد أدبه في صغره فخاف على نفسه من بطشه في ولايته. ينظر: بغيةالوعاة:140.
(10) ينظر: المناظرات النحوية واللغوية بين الجدية والافتعال (بحث) : 257.
(11) ينظر: مجالس العلماء للزجاجي: 35 ـ36.
(12) ينظر: الأشباه والنظائر: 5/ 84، 93.