لإبداء القدرة على النيل من الخصم ولو عن طريق التحايل، فوقف الكسائي ندًّا لسيبويه، وصار الأخفش والجرمي على الضدّ من الفراء، ووقف المازني بإزاء ابن السكّيت، وانتهى عهد التنافس عند المبرد البصري الني وقف قُبالة ثعلب الكوفي؛ لتدخل المناظرات النحوية بعدُ طورًا جديدًا عند تلاميذ الشيخين وأتباع المذهبين [1] ، وكان من أشهر ما وقع بين هذين الطرفين المتنازعين؛ مادار بين سيبويه والكسائي في المناظرة المشهورة حول مايُعرف بالمسألة الزنبورية، فإن كانت مناظرات الطور الأول مقصورة على علماء البصرة رغبةً في الوصول إلى الحقائق؛ فقد قويت بظهور النّد الكوفي؛ لتصبح مناظرات بين رأيين مختلفين ومنهجين متباينين [2] .
ومع أن المناظرات النحوية أخذت تنحرف تدريجيًا عن الخطّ الذي رُسم لها؛ قَلَّ أنْ تجد عالمًا تخلّف عنها راغبًا أو مجبرًا؛ سواءٌ أكان الموقف الذي جرت فيه مراسيم المناظرة عفويًا أو مصطنعًا؛ فاشتهر هنالك علماء عرفوا بقوة مناظراتهم؛ منهم الكسائي الذي قصد البصرة يريد الخليل، (( فلم يكن له همٌّ غير البصرة والخليل، فوجد الخليل قد مات وجلس في موضعه يونس النحوي [ت 182هـ] ، فمرّت بينهما مسائل أقرّ له يونس فيها، وصدّره موضعه ) ) [3] ، وتناظر مع سيبويه وغلبه على طريقته في التناظر [4] .
وممن عُرف بقوة مناظراته أبو عمر الجرمي (ت 225هـ) ، وقد ناظر الفراء فقيل له: (( كيف رأيت الجرمي؟ قال رأيته آية ) ) [5] ، وكان أبو زيد الأنصاري (ت215هـ) ، يلقبه (( بالكلب لجدله واحمرار عينيه ) ) [6] . قال السيوطي (ت 911هـ) : (( وكان يُلقّبُ بالكلب، وبالنبّاح لصياحه حال مناظرة أبي زيد ) ) [7] ، وقال أبو البركات الأنباري (ت 577هـ) ، (( وكان أبو عمر الجرمي يُلقب بالنبّاج [بالجيم: أي شديد الصوت] لكثرة مناظراته في النحو ورفع صوته فيها، فإن النبّاج هو الرفيع الصوت ) ) [8] .
وممن عُرف بقوة مناظراته المازني شيخ المبرد، وكان (( لا يناظر أحدًا إلا قطعه، لقدرته على الكلام، وكان المبرد يقول: لم يكن بعد سيبويه أعلم من أبي عثمان بالنحو، وقد ناظر الأخفش في أشياء كثيرة فقطعه ) ) [9] .
(1) معجم الأدباء: 13/ 167.
(2) ينظر: سيبويه إمام النحاة: 109.
(3) نزهة الالباء: 116.
(4) مراتب النحويين: 43.
(5) بغية الوعاة: 2/ 8.
(6) نزهة الالباء: 117.
(7) معجم الأدباء: 7/ 107.
(8) ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 108ـ110.
(9) الفهرست: 1/ 81.