الصفحة 30 من 416

استفسار وتساؤل لدى المسلمين وقد طال البحث فيها، وكثر الجدل حولها؛ الأمر الذي تمخض عنه نشوء علم الجدل والكلام، وفي هذه المجالس ذاتها وخلف الدوافع نفسها نشأ النحو في ظل الدين وتحت راية القرآن الكريم [1] .

كان طبيعيًا أن تفيد هذه العلوم بعضها من البعض الآخر بما قام بينها من صله وكيدة، وبعد أن أفاد العلماء من علم الجدل وتسلحوا بالحجج التي استقوها من قواعد اللغة وأصولها؛ تناظر الأقران مع أقرانهم؛ والشيوخ مع تلاميذهم في جوٍّ من العفوية طغى عليه مبدأ الجد والموضوعية [2] ، فتناظر عبدالله بن أبي إسحاق الحضرمي مع أبي عمرو بن العلاء [3] وتناظر أبو عمرو بن العلاء مع عيسى بن عمر [4] وتناظر عيسى بن عمر مع الكسائي [5] وهو تلميذه.

لكن الجدّية أصبحت مطلبًا عزيزًا فيما بعد في مثل هذه المناظرات، فقد أصبحت المناظرات وسيلة للتعبير عن روح التحدي والتنافس، فـ (( المنافسة كانت شديدة وكان من حوافزها أنها كانت تُعقد بحضرة الخلفاء الأمر الذي شحذ الهمم لنيل الخطوة وإبراز القدرات على المناظرة والجدل ) ) [6] ، وقد رغب العلماء في (( نائل الخلفاء والأمراء الذين ساهموا بقسط قيّم فيها وكان أغلبها على أيديهم أو على كثبٍ منهم، وحكموا في كثير منها، فنصروا وخذلوا ورفعوا وخفضوا ) ) [7] .

ولئن اشتُقت المناظرة من النظير؛ فإن الذي عزز أصول المناظرة لدى علماء البصرة والكوفة فكرة وجود منهجين مختلفين في الدراسة، وقد وجد علماء كل مذهب منهما نظيره من علماء المذهب الآخر. وما إن أخد علماء كل مذهب ينافحون عن أصول مذهبهم؛ حتى نشأت هناك طبقات من العلماء مع كل جيل من أجيال المذهبين، إذ (( .. كان طبيعيًا أن تكون بواكير اللقاءات بين علماء البلدين هادئة، لأن الكسائي لم يأتِ عالمًا بل جاء طالبًا للعلم، لكننا ما نلبث أن نجد الصراع بين البلدين يحتدم ملتهبًا وكان ذلك عندما تمّ تكوين المذهب الكوفي وأخذت صور من التحديات تبدو واضحة ) ) [8] ، وفي غضون هذه التحديات تخلت المناظرات النحوية عن طابع البساطة والعفوية، وتنازلت عن جانب كبير من الجدّية والموضوعية، لتصبح الموضوعيّة في اتون هذا الصراع مطلبًا عزيزًا، ومع إحكام صنعة التناظر انحصر همُّ العلماء في توطيد دعائم الخلاف والعمل في ضوء هالة من التنافس

(1) ينظر: بغية الوعاة: 2/ 42.

(2) ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 40.

(3) ينظر: معجم الأدباء: 16/ 150.

(4) في نقد النحو العربي: 132.

(5) نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة: 49.

(6) ظاهرة الشذوذ في النحو العربي: 69.

(7) ينظر: نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة: 46 ـ 47.

(8) ينظر: المصدر نفسه: 49 ـ 50، وسيبويه إمام النحاة: 101،والمناظرات النحوية واللغوية بين الجدية والافتعال (بحث) : 254

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت