المساجد إلّم تكن هذه السوق مكانًا يعرض فيه العالم ما تعلمه في تلك الحلقات، وقد قيل: (( العراق عين الدنيا، والبصرة عين العراق، والمربد عين البصرة ) ) [1] .
أحدث العلماء في هذه المجالس ألوانًا نقدية تتلائم وجو المجلس الذي وقعت فيه وطبيعة الموضوع الذي دارت حوله، فلم يترك العلماء في هذه المجالس وسيلة تصلح للنقد إلا واستعانوا بها، ولا طريقة إلا ولجأوا إليها، ولم يتركوا مسألة من مسائل النحو أو قضاياه إلا وتزاحمت عقولهم للنظر فيها وتسابقت آراؤهم للحكم عليها. وإذ يحرص العلماء على أن تنفذ أفكارهم النقدية المجلس الذي تطأه، وحرص الكثير منهم على حفظ تلك السير أو نتفًا منها في كتب كثيرة قد لا يجمعها إتجاه واحد ولا منهج مشترك، سنفرد لها ثبتًا في الفصل الثاني من هذا الباب وندل على مواضع النقد فيها، لكن الذي لابد منه هاهنا هو أن نتعرف على الألوان النقدية التي حفلت بها تلك المجالس ودوّنتها هذه الكتب.
أولًا: المناظرات النحوية:
جاء في اللسان: (( التناظر: التَّراوضُ في الأمر. ونَظيرُك: الذي يُراوضُك وتُناظرهُ، وناظَرَهُ من المُناظَرَة ... ويُقال: ناظَرت فلان أي صِرتُ نظيرًا له في المخاطبة. وناظَرت فلانًا بفلان أي جعلته نَظيرًا له ) ) [2] . وفي المعجم الوسيط: (( تناظروا في الأمر: تجادلوا وتراضوا ... المناظر: المجادل والمحاجّ. والنظير: المِثلُ ) ) [3] .
وعرفها الجرجاني (ت 814، أو 816 هـ) اصطلاحًا، فقال: (( هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهارًا للصواب ) ) [4] . فالصواب غايةُ ما يُراد بالمناظرة كما آصُطلح؛ ولعل لعلماء النحو رأي آخر في ذلك.
تُعدّ المناظرات النحوية إحدى وسائل التعبير عن فعالية الدرس النحوي لدى العلماء؛ فقد كانت تعبيرًا واقعيًا وترجمة حقيقية للحركة اللغوية والنحوية التي شهدتها حاضرتا البصرة والكوفة ومنهما إلى الأمصار العربية والإسلامية، وتأتي قيمة هذه المناظرات من قبل دخولها في أدقّ تفاصيل الحركة العلمية؛ لاسيما وإنها تنشط بمجرد إثارة الأسئلة؛ وما أكثرها وقت نشوء النحو وطلب تعلمه!، فتكاد لا تجد عالمًا من العلماء إلا وقد شغلت المناظرات النحوية جانبًا من سيرته، وهذا عائد إلى استعداد العلماء للمشاركة في هذا اللون النقدي الذي حفلت به مجالس العلماء؛ وذلك لإلمامهم بأدوات الجدل والنظر، فمرحلة التناظر في النحو ومسائله كانت قد سبقتها مرحلة الحديث عن قضايا الفقه والدين؛ وكانت مثار
(1) المعجم الوسيط: مادة (نَظَرَ) .
(2) التعريفات: 187.
(3) ينظر: ضحى الإسلام: 2/ 52، والعلة النحوية نشأتها وتطورها: 79ـ 80، والمناظرات النحوية واللغوية بين الجدية والافتعال (بحث) : 251.
(4) ينظر: نشأة النحو وتأريخ أشهر النحاة: 44.