الصفحة 28 من 416

وكان المسجد الجامع بالكوفة هو الأخر صرحًا علميًا كبيرًا، تزاحم عليه علماء الكوفة زمانًا طويلًا قبل أن ينزل بعض أئمتهم ببغداد [1] . ومع تقادم الزمن كثرت مساجد العراق وازدادت أهميتها، فتنوعت مراكز الدراسة في العراق وكثرت مجالس العلم فيه، وصار في بغداد مساجد تضاهي مسجد الكوفة والبصرة منها مسجد المنصور، وقد جمعت حلقاته علماء من علوم شتى، وقد وجدت حلقات النحو مكانًا بينها، إذ كان النحاة أحد رواده [2] .

كانت الأمصار العربية هي الأخرى قد تشرفت بمساجد قادت حركة علمية واسعة؛ كان النحو في طليعة العلوم المشروعة للبحث فيها، منها جامع الأزهر بمصر [3] ، وكان إلى جانبه مسجد الفسطاط المعروف بمسجد عمرو بن العاص (- رضي الله عنهم -) أو المسجد العتيق [4] ، والجامع الناصري بالقلعة والجامع الطولوني [5] ، وفي دمشق كان هناك الجامع الأموي [6] ، وكان في بلاد المغرب العربي ما يناظر هذه المساجد، منها جامع القرويين بفاس [7] ، ومسجد قرطبة الجامع بالأندلس [8] ، وهذه المساجد كلها متناظرة بوفرة علمائها وتعدد حلقات العلم فيها.

ومن المعاهد التي قصدها العلماء قصور الخلافة وبلاطات الأمراء ودواوين الولاة والوزراء كان النقد فيها يكسب صفة شرعية أكثر مما لو وقع في مجلس آخر، وقد وجد من بين الخلفاء والولاة من يرغب في العلم، منهم هارون الرشيد (ت 193هـ) الخليفة العباسي، وابنه المأمون (ت 218هـ) كذلك كان الحكم المستنصر بالله، وخليفته المنصور بن أبي عامر (ت 392 هـ) صاحب

الأندلس. وكان الحمدانيون في الشام [9] ، والفاطميون في مصر [10] .

بقيت بيئة العراق - على الرغم مما في الأمصار العربية من معاهد للعلم - في طليعة الأمصار العربية غنىً بهذه المجالس، لاسيما وإن مجالس العلم فيه هي التي شهدت ولادة علم النحو، وكان طبيعيًا أن تبارك هذه المجالس مسيرته؛ ففي العراق فضلًا عن ذلك سوق (المربد) العلمية؛ ملتقى الشعراء والأدباء والعلماء، والبحث فيها لا يقلُ شأنًا عما يجري في حلقات الدرس التي حفلت بها

(1) ينظر: مركز الدراسات النحوية: 61.

(2) ينظر: المصدر نفسه.

(3) ينظر: المصدر نفسه:62.

(4) ينظر: المصدر نفسه: 65.

(5) ينظر: المصدر نفسه: 55.

(6) ينظر: المصدر نفسه: 53 - 54.

(7) ينظر: مراكز الدراسات النحوية: 61.

(8) ينظر: المصدر نفسه: 67.

(9) عيون الأخبار:2/ 222.

(10) اللسان: مادة (نَظَرَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت