الصفحة 27 من 416

كان طبيعيًا أن تتأثر هذه الطرائق النقدية بعاملي الزمان والمكان نسبيًا؛ لاسيما النقد المتحصّل عن طريقة المناظرات والموازنات النحوية التي تستدعي حظور الطرفين زمانًا ومكانًا؛ فأسقط في يد

النحاة ما كان حكم به سلطان الوقت فاستعاضوا عن ضيق الوقت بسعة المكان؛ فلم يدع العلماء مكانًا يصلح للنظر إلا وارتادوه وأناخوا إبلهم على أعتابه واتخذوه مجلسًا للمناقشة والنقد، ففضلًا عن بيوت العلماء كانت المساجد أحد أهم المجالس التي ارتادها النحاة، ولا يكاد يخلو مصر إسلامي منها، فقد كان المسجد بمثابة المدرسة أو الجامعة بالنسبة إلى هؤلاء العلماء. بل كانت المساجد في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الأمة بمثابة مؤسسة دينية وعلمية واجتماعية وسياسية، تعقد فيه بنود الصلح، وتوضع فيه خطط الحرب، ويُقرر فيه مصير الأمة [1] ، ولشغف العلماء بهذا الصرح العلمي العظيم عُرفت بعض المساجد بأسماء مريديها؛ منها مسجد الكسائي [2] ، وهو المسجد الذي ناظر الأخفش فيه الكسائي نصرة لشيخه سيبويه. قال الأخفش: (( وردت بغداد، فوافيت مسجد الكسائي، فصلَيت خلفه الغداة، فلما انفتل من صلاته، وقعد في محرابه، وبين يديه الفراء [ت 207هـ] والأحمر [ت 194هـ] [3] وهشام [ت 209 هـ] [4] وابن سعدان [ت 231 هـ] [5] سألته عن مائة مسألة، فأجاب عنها بجوابات خطّأته في جميعها ) ) [6] .

أما أهم ما ارتاد العلماء من المساجد؛ فكان مسجد البصرة [7] ، وكان من أهمها وأقدمها، لم تكن حلقات المسجد الجامع بالبصرة وقفًا على علماء النحو فحسب؛ فقد كان مركزًا لحركة علمية كبيرة ولاسيما في العهد الأموي ثم العباسي [8] ، فحلقةٌ لعلماء الفقه، وحلقةٌ لعلماء النحو، وأخرى لعلماء اللغة وغيرها لعلماء الشعر والأدب [9] . ومع تنوع هذه العلوم تنوعت حلقات الدرس فيه.

(1) هو علي بن المبارك الأحمر، كان قائمًا بالنحو على مذهب الكوفيين، أخذ نحوه عن الكسائي وهو أول من دوّن عنه، وكان مؤدبًا للأمين بن هارون الرشيد، صنّف (التصريف) . ينظر: بغية الوعاة: 2/ 159.

(2) هو أبو عبد الله هشام بن معاوية النحوي الكوفي، أخذ النحو عن الكسائي وكان أحد أصحابه، وضع (مختصر النحو) و (الحدود) و (القياس) . ينظر: بغية الوعاة: 2/ 228.

(3) هو أبو جعفر بن سعدان الضرير الكوفي، روى عن عبد الله بن الأمام أحمد بن حنبل (رحمه الله) وغيره، وأخذ القراءة عن أهل مكة والمدينة والشام والكوفة والبصرة، وكان عالمًا بالعربية على مذهب الكوفيين. ينظر: بغية الوعاة: 1/ 111.

(4) ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 70.

(5) ينظر: ضحى الإسلام: 2/ 52، ومراكز الدراسات النحوية: 25.

(6) ينظر: المصدر نفسه: 2/ 52 - 53.

(7) ينظر: المصدر نفسه: 2/ 53.

(8) ينظر: مراكز الدراسات النحوية: 46.

(9) ينظر: ضحى الإسلام: 2/ 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت