الحذف في مبتدآتها بل الأفضل عدم التفريق فيها بين ما يمكن ارجاعه الى معنى واحد، وبين ما لايمكن فيه ذلك، وعدّ الجميع أخبارًا متعددة.
وهذا كله إذا كانت تلك الأخبار مرفوعةً، أما لو كانت غير ذلك فلها إعرابُ آخر يُخرجها من باب الإخبار، كما لو كانت مَنْصُوبةً، وذلك نحو قوله تعالى:"قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ" (هود/72) ، فما أورده الفرّاء في الاستشهاد على تعدد الأخبار كان ذلك في قراءة عبد الله بن مسعود (ت:32 هـ) بالرفع في (شيخ) في هذه الآية، ثم استشهد بعد ذلك بقول رؤية.
أما في القرآن الكريم فـ (شيخ) منصوبةً على الحال، ولذلك فقد ألمحَ الفرّاء الى النصب في قول رؤية الذي مرّ أيضًا، وهذا ماعناه بقوله:"كل هذا على الإستئناف؟ ولو نويت الوصل كان نصبًا، قال: وأنشدني بعضهم:"
مَنْ بك ذابت فهذا بنىِّ ... مُقيّظُ مصيِّفُ مُشَتِّي
جمعته من نعجاتٍ ست [1]
فيجوز النصب فيه على معنى الحال، فيكون التقدير: (فهذا بنِّي مُقيظًا مصيِّفًا، ... ) والمعنى واضحُ ايضًا هو أنه هذه حالهُ دائمًا مرتديًا هذا البت في حال الصيف وفي حال الشتاء أو أنه يرتدي بتًا في حال الصيف، وبتأ اخر في حال الشتاء فهو يرتدي لكل حالة منها تبًا خاصًا به، ولكنه لم يذكر ذلك مفصلًا؛ لتقيده بالشعر وما يقتضيه من وزن وقافية، أو لأنه ذكر ذلك بإيجاز من خلال (مصيفًا ومشتيًا) حيث تدلان على ذلك لإتضاح المعنى، فلا يمكن أن يرتدي معطف الشتاء في فصل الصيف أو العكس فذكر تلك الأحوال لتدلَّ على ذلك المعنى.
وما أجازه الفرّاء من النصب على الحال في هذا الشاهد لو روي منصُوبًا، أمرُ سائغُ، والذي يعززه هو أن شروط مجيء الحال قد توافرت فيه أيضًا وإن كانت متعددة.
(1) معاني القرآن للفرّاء: 3/ 17.