الصفحة 61 من 406

والأمر بالرفع على ما ذهب اليه الفرّاء وحجتهم في ذلك الأمر لايتحقق الا بالفعل ويكون الاسم بعده منصوبًا على المفعولية ولم يكن الامر بالرفع لانه لايسمى اغراءً في الاصطلاح ثم أن جملة الاغراء والامر طلبية انشائية وجملة الرفع لاتكون إلا خبرية [1] . وفي رأيهم هذا نظر لإن الأسماء المرفوعة في باب الاغراء والتحذير تعطي معنى الاغراء او التحذير او الأمر ولاسيما إذا كانت مكررة فالتكرار يُزيدها توكيدًا وتأكيد الشيء هنا يعطي معنى وجوبه ولأمر به إذ أن التأكيد لايؤتى به الا لبيان اهمية المؤكد له وضرورة لزومه.

وقد ذهب أحد الباحثين بعيدًا عن واقع اللغة وسنن العرب في كلامها فرّد على الفرّاء هذا ولم يقبله، وعدّ البيت شاذًا لايقاس عليه بل لا حاجة لما به لعدم معرفة قائله وعدم وجود نظائر له [2] . وأنى له ذلك، فقد قَصر طرق العرب واساليبها في توخي المعاني التي يقصدونها في كلامهم على أقيسة النحاة واصطلاحاتهم. وهذا -لعمري- تَجنٍ على اللغة نفسها وعلى من تكلم بها، لأن قصدهم هو المعنى فقط سواءُ أكان اللفظ مرفوعًا ام كان منصوبًا وسواءُ أكان اسمًا ام كان فعلًا مادام كلُ منهما يؤدي المعنى الذي عنوه فإنهم يستعملونهما على حد سواء.

ومن الشواهد الأخرى على حذف المبتدأ عند الفرّاء، قول الشاعر [3] :

إن لَمَ اشفِ النفوسَ من حيِّ بكْرٍ وعدىُّ تطأهُ حُرْبُ الجمال

فقال الفرّاء فيه؛ (فلا تكاد العرب تنصب مثل(عديّ) في معناه؛ لأن الواو لايصلح نقلها إلى الفعل؛ إلا ترى أنك لاتقول: وتطأ عديّا جُرْبُ الجمال. فإذا رأيت الواو تحسن في الاسم جعلت الرفع وجه الكلام. وإذا رأيت الواو تحسن في الفعل جعلت النصب وجه الكلام) [4] . فقد عنى الفرّاء أنَّ عديّ مرفوع على أنه خبر مبتدأه محذوف تقديره: (هذا)

(1) ظ: النحو الوافي لعباس حسن: 4/ 134 - 136.

(2) ظ: الشاهد الشعري الشاذ في كتب النحو حتى نهاية القرن الخامس الهجري: 83.

(3) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 241، ولم ينسب الى قائله، ظ: الأغاني لأبي الفرج الاصبهاني: 5/ 85.

(4) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 241.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت