القياس من غيره، كما أن حرف النداء نصب المنادى وهو في تقدير النحاة نائب عن الفعل (ادعو) وذلك قصدًا للإختصار في الكلام وطلبًا للإسراع في تنبيه المنادى ودعوته بالمجيء والذهاب فلم يقل أحدُ من النحاة أن هذا المنادى منصوب بفعل محذوف تقديره (ادعو) وإنما جعلوه منصوبًا لانه منادى. ثم أن حجة البصريين في ذلك (منطقيّة لاتمتُّ الى الواقع اللغوي بشيء، ومع أنَّنا لانملك شواهد كثيرة على ذلك فقوله تعالى:"كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يغنينا عن كثرة الشواهد، والآية الكريمة تكفي أن تكون دليلًا على ما ذهب اليه الكوفيون ويكون التقدير الزموا كتاب الله وفيه إغراءُ بالالتزام بكتابه عزّ وجل وتحذير من التجاوز على حدوده، وقُدِّم الكتاب في الآية الكريمة للاهتمام به" [1] .
ومن ذلك -أي مما كان مرفوعًا مع تضمنه معنى الامر- عند الفرّاء قول الشاعر [2] :
إنّ قومًا منهم عُمَير وأشبا هُ عُمَير ومنهم السفّاحُ
لجديرون بالوفاء إذا ما ل أخو النجدة السلاحُ السلاحُ
فقال الفرّاء فيه:"... وجميع الأسماء من المصادر وغيرها إذا نويت الأمر نصبت فأما الأسماء فقولك: الله الله ياقوم، ولو رفع على قولك: هو الله، فيكون خبرًا وفيه تأويل الأمر لجاز" [3] وجعل قول الشاعر هذا منه، وعلى ذلك يكون تقديره: (هذا السلاحُ هذا السلاحُ) فيكون (السلاح) الأول خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره هذا وإما (السلاح) الثاني فهو توكيدُ لفظيُ ويجوز أن نجعله خبرًا ثانيًا ومبتدأه محذوف أيضًا وتكون الجملة منه ومن مبتدأه المحذوف في محل رفع توكيدًا للجملة الاولى فعلى الوجه الاول يكون توكيدًا مفردًا وعلى الوجه الثاني يكون من باب توكيد الجمل وقد منع بعض النحاة أن يكون الاغراء
(1) الشاهد الشعري الشاذ في كتب النحو: 236.
(2) لم يُنسبا الى قائلهما، ظ: معاني القرآن للفرّاء: 1/ 188، 3/ 269، الخصائص لابن جني: 3/ 102، معجم الشواهد العربية لعبد السلام هارون: 1/ 87، المقاصد النحوية للعيني:4/ 307، اساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين للدكتور قيس اسماعيل الاوسي: 139.
(3) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 188.