والى مثل هذا ذهب الزمخشري أيضًا، فجعل (كتاب الله) في قوله تعالى:"كتابَ الله عليكم وأحلَّ لكم ماوراء ذلك"، مصدرًا مؤكدًا، فقال:"... اي كتبَ الله ذلك عليكم كتابًا وفرضه فرضًا وهو تحريم ما حَرَّم. فإن قلتَ: عَلاَمَ عطف قوله"وأُحلَّ لكم"؟ قُلتُ على الفعل المضمر الذي نصَبَ"كتاب الله"، أي كتب الله عليكم تحريم ذلك وأحلَّ لكم ما وراء ذلكم. ويدلُّ عليه قراءة اليماني:"كتب الله عليكم واحلَّ لكم") [1] ."
وأرجع الرضي الاسترابادي نصب الاسماء مع تلك الظروف مثل (دونك وأمامك) و (الجار والمجرور مثل(عليك) ، الى الافعال المحذوفة اختصارًا للكلام، فقال: (وأَمّا(الظرف) و (الجار والمجرور) ... نحو (أمامَك ودونكَ زيدًا) بنصب (زيد) كان في الأصل: (أمامَك زيدُ ودونَك زيد فَخُذه فَقَدْ أَمكنك) ، فَاخْتُصِرَ هذا الكلام الطويل؛ لغرض حصول الفراغ منه بالسرعة ليبادر المأمور الى الامتثال قبل أن يتباعد عنه زيد وكذا كان أصل (عليك زيدًا) .. فجرى في كُلّها الإختصارُ لغرض التأكيد) [2] . وتابع النحاة المحدثون الرضي فيما ذهب اليه، فقال الدكتور مصطفى جواد:"وهذه أسماء الافعال المنقولة التي لايحتمل الفكر الثاقب نقلها ... وما هي في الحقيقة إلاّ جمل ذوات افعال محذوفة لكثرة الاستعمال هي وتوابعها" [3] . والى ذلك ذهب الدكتور مهدي المخزومي [4] ، والدكتور ابراهيم [5] السامرائي، والدكتور قيس الأوسي [6] .
ومادام الامر كذلك وأن هذه الظروف والجار والمجرور هي من متعلقات الافعال وأنها نابت عن الأفعال فاستعملت استعمالها وعملت عملها، فلا ضيّر إذًا أن تعطى حكم الافعال جميعها ومنها تقدم معمولها عليها أو تأخره عنها كما في الافعال فهذا أجرى على
(1) الكشاف: 1/ 518.
(2) شرح الكافية: 2/ 68.
(3) المباحث اللغوية في العراق، للدكتور مصطفى جواد: 7.
(4) ظ: في النحو العربي، نقدُ وتوجيه للدكتور مهدي المخزومي: 204، 205، وفي النحو العربي قواعد وتطبيق: 142.
(5) ظ: النحو العربي، نقدُ وبناء للدكتور ابراهيم السامرائي: 118.
(6) ظ: أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين: 185.