الصفحة 58 من 406

مثبت عليهم، وقال"كتاب الله"توكيدًا ... وقد زعم بعضهم أن"كتاب الله"نصب على قوله: عليكم كتاب الله ... واعلم أنْ نصب هذا الباب المؤكَّد به العامُ منه وما وُكِّد به نفسه يُنصب على إضمار فعل غير كلامك الأَوَّلِ" [1] . وهذا ما ذهب اليه الفرّاء أيضًا. وكذلك قال أبو علي:"لايجوز أن يتقدَّم شيءُ من مفعول هذه الكلم عليها؛ لأنّها ليست كالأفعال في قوّتها، وقوله تعالى:"كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ"ليس ينتصبُ على (عليكم كتابَ الله) ، ولكنّ (كتاب) مصدرُ دلَّ على الفعل الناصب لهُ ما تقدَّمَ. وذلك أن قوله تعالى:"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ"فيه دلالة على أن ذلك مكتوبُ عليهم، فانتصب (كتاب الله) بهذا الفعل الذي دَلَّ عليه ما تقدَّمه من الكلام) [2] . أي بمعنى أن الفعل (حُرّمت) فيه معنى (كتب) فجاء (كتابُ الله) منصوبًا به ومُؤكدًا له.

وجعل ابن جني (عليكم) متعلقة بـ (كتاب الله) ، وليس (عليكم) هنا اسم فعل، واستدلَّ على هذا بقراءة من قرأ"كتبَ الله عليكم" [3] ، فقال:"في هذه القراءة دليلُ على أنّ قوله (عليكم) من قوله"كتاب الله عليكم" في قراءة الجماعة مُعَلَّقة بنفس (كتاب) ، كما تعلَّقت في"كتبَ الله عليكم"بنفس (كتب) وأنه ليس (عليكم) من "كتاب الله عليكم"اسمًا سُميِّ به الفعل، كقولهم: (عليك زيدًا) إذا أردت: خُذْ زيدًا، وذلك أنّ (عليك) و (دونك) و (عندك) إذا جُعِلْنَ أسماء للفعل لسن منصوبات المواضع، ولاهُنَّ متعلقات بالفعل مُظهرًا ولا مضمرًا"... (عليكم) في الموضعين جميعًا منصوبة الموضع بنفس (كتَبَ) و (كتاب) ، ولو قلتَ: (عليكم كتابَ اللهِ) كمَا كان لقولك (عليكم) موضعُ من الإعراب أصلًا ولا كانت متعلقةً بشيء ظاهر ولا محذوف ولا مضمر على ما تقدَّمَ" [4] ."

(1) كتاب سيبويه: 1/ 380 - 384.

(2) المقتصد في شرح الايضاح: 1/ 575 - 576.

(3) هذه قراءة أبي حياة ومحمد بن السميفع، والمحتسب لابن جني: 1/ 185، والكشاف 1/ 262، وزاد المسير: 2/ 51، وتفسير القرطبي: 5/ 124، ظ: البحر المحيط: 3/ 214.

(4) المحتسب: 1/ 185 - 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت