الصفحة 56 من 406

منصوبةً عند الفرّاء بعامل مضمر إما أن يكون فعلًا وإما أن يكون اسم فعل غير (عليكم) المذكور، فقال: ("وقوله"كتابَ الله عليكم"كقولك: كتابًا من الله عليكم، وقد قال بعض أهل النحو: معناه: عليكم كتاب الله. والأول أشبه بالصواب، وقلما تقول العرب: زيدًا عليك أو زيدًا دونك وهو جائز كأنه منصوب بشيء مضمر قبله) [1] ."

ومن هذا أرى أن الفرّاء فسرّ النصب على تقدير عامل محذوف، ورجحّ أن يكون هذا العامل فعلًا وليس شيئًا آخر كأسم الفعل، ولذلك قال (والاول اشبه بالصواب) ؛ لأن تقديره الأول يكون على اضمار فعل و (كتابًا) معمولًا له. ولم يُعمل اسم الفعل المتأخر (عليكم) في الاسم المتقدم عليه (كتابَ) فيكون معمولًا له مع تقدمه، أي أنه لايُجيز تقدير معمول اسم الفعل عليه، وهو بهذا يوافق البصريين فيما ذهبوا اليه في ذلك [2] . ولكنَّ الفرّاء على الرغم من موافقته لمذهب البصريين في منع تقديم معمول اسم الفعل عليه، وترجيحه أن يكون الاسم منصوبًا على اضمار فعل أو اسم فعل آخر غير المذكور [3] ، إلاّ أنه ذكر أن العرب قد يعملون اسم الفعل مع تقدم معموله عليه ولكن هذا قليل جدًا، وهو ماقصده بقوله:"... وقلّما تقول العرب: زيدًا عليك أو زيدًا دونك ...".

إلاّ أنَّ الفرّاء بقي متمسكًا بمذهبه في منعه ذلك، فقدّر النصب على الاضمار، وفي هذا نزعةُ بصريّةُ بحتةً جدًا، كان الفرّاء قد تأثرها من البصريين، وهي عدم كسر القاعدة النحوية التي وضعوها، وإن جاء كلام العرب وكذلك القرآن الكريم مخالفًا لها، ومن ثُمَ اللجوء الى التفسير والتأويل والتقدير بالحذف والإضمار.

وقد ذكر عبد القادر البغدادي أن الفرّاء يجيز عمل اسم الفعل مؤخرًا ومحذوفًا [4] ، ولا أظنهُ إلا قدوَهِمَ في نص قول الفرّاء السابق الذي فيه عبارة (وهو جائز) ففهم منه أنه

(1) السابق: 1/ 260.

(2) ظ: الإنصاف في مسائل الخلاف: 1/ 228.

(3) من هنا نسب الى الفرّاء أنه يذهب الى وجود قسم رابع للكلمة، وهو (الخالفة) ، اضافة الى الاسم والفعل والحرف. ظ: التصريح على التوضيح: 1/ 25، وحاشية (يس) : 1/ 25، وأبو زكريا الفرّاء ومذهبه في النحو واللغة، للدكتور أحمد مكي الأنصاري: 419 - 420.

(4) ظ: خزانه الأدب: 6/ 204.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت