فالكاف والياء في هذين الشاهدين هما مبتدآن بمنزلة (أنت) عند الفرّاء. وقال سيبويه:"هذا بابُ مايكون مضمرًا فيه الاسم متحولًا عن حاله إذا أظهر بعده الإسم وذلك لولاك ولولاي، إذا أظهرت فيه الاسم جر، وإذا اظهرت رفع، ولو جاءت علامة الإضمار على القياس لفلت: لولا أنت، كما قال سبحانه"لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ" (سبأ/31) ولكنهم جعلوه مضمرًا، مجرورًا، والدليل على ذلك أنّ الياء والكاف لاتكونان علامة مضمر مرفوع ... وهذا قول الخليل ويونس" [1] ، و (لولا) عند سيبويه تأتي على وجهين الأول: أن تكون حرف ابتداء إذا وضع بعدها الاسم الظاهر أو وقع بعدها ضمير رفع منفصل كما هو الحال في الآية الكريمة. والوجه الثاني أن تكون حرف جر لا يتعلق بشيء كما في هذين الشاهدين. وجعل الفرّاء مابعدها في موضع رفع في الوجهين كليهما، ومن امثلة مجيء الاسم الظاهر بعدها عنده قول الشاعر [2] :
لوما هَوى عِرْس كُمْيت لم أُبل
فـ (هوى) مرفوعة على الابتداء بعد (لوما) . وكذلك الكاف والياء في محل رفع بالابتداء ولولا ولوما، حرفا ابتداء، ومَرد ذلك هو أن العرب وضعت ضمير الجر في موضع ضمير الرفع كما عكسوا فوضعوا ضمير الرفع في موضع ضمير الجر فقالوا: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا. وهذا هو مذهب الفرَاء الذي تقدم، وتابعه فيه الأخفش [3] .
وذهب الكسائي (189هـ) الى أن الاسم الواقع بعد (لولا) فاعلًًًُُُُُ لِفعل محذوف يدل عليه المقام، وتقدير الكلام: لو لم يكن فعلى؛ لأن (لولا) عنده تختص بالفعل [4] ، واجاز مجيء الضمير المتصل بعدها ولكنه اختلف في عامل رفعه فقدر له فعلًا محذوفًا وقد جانب المبرد الصواب حينما منع ذلك وعدّه خطأ غير جائزِ في
(1) كتاب سيبويه: 2/ 416.
(2) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 84.
(3) ظ: الانصاف في مسائل الخلاف: 2/ 692.
(4) ظ: السابق 2/ 692.