الصفحة 373 من 406

فنادى الشاعر ضمرة بالهمزة وهو يخاطبه وكأنه واقفٌ أمامه. وجعل الفرّاء من هذا قوله تعالى:"أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ" (الزمر/ 9) فجعل الهمزة هنا حرف نداء فقال: "وقوله:"أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ"قرأها يحيى بن وثاب بالتخفيف. وذُكر ذلك عن نافع وحمزة وفسّروها يريد: يامن هو قانت. وهو وجه حسن، العرب تدعو بألف كما يدعون بها. فيقولون: يازيدُ أقبل، وأزيدُ أقبل" [1] . وأجاز الفرّاء في هذه الآية وجهًا ثانيًا هو أن تكون الهمزة فيها حرف استفهام؛ فقال:"وقد تكون الألف استفهامًا بتأويل أم لأن العرب قد تضع (أمْ) موضع الألف إذا سَبَقها كلام، قد وصفتُ منه ذلك ما يكتفى به. فيكون المعنى: أمنَ هو فاتت (خفيف) كالأول الذي ذكر بالنسيان والكفر" [2] .

وقد ردَّ النحاة ماذهب اليه الفرّاء والقرّاء من أن الهمزة في هذه الاية حرف نداء؛ لأن القرآن المجيد لم يقع فيه نداء بغير (يا) [3] ، ورجحّوا أن تكون الهمزة للاستفهام الذي يفيد التنبيه، فتكون (من) مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: (أَمَنْ هو قانت كمن ليس كذلك؟) [4] . وحجتهم في هذا ان الهمزة لم ترد في القرآن الكريم حرف نداء، بل وردت في كل المواضع التي ذكرت فيها للاستفهام، كقوله تعالى:"أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا" (فاطر/8) وقوله تعالى:"أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ" (الزمر/ 22) وقوله"أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ" (ال عمران/ 162) ، وكذلك فقد استبعد ان هشام أن تكون الهمزة في تلك الآية للنداء كما قال الفرّاء إلا أن ما يقربها من النداء ليس مجازًا. وتقدير الاستفهام فيها على المجاز وليس على الحقيقة، فضلًا عن كثرة الحذف في الاستفهام، إذ حذف شيئان: معادل الهمزة والخبر ... [5] .

(1) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 416.

(2) السابق: 2/ 416 - 417.

(3) ظ: البحر المحيط: 1/ 92 - 93، والأشبه والنظائر: 2/ 89، ودراسات لاسلوب القرآن الكريم: 3/ 625.

(4) ظ: مشكل اعراب القرآن: 2/ 258، والجنى الداني: 36، والكشاف: 3/ 390.

(5) ظ: مغني اللبيب: 1/ 13014.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت