الصفحة 374 من 406

وفي الحقيقة أن جميع ماقاله النحاة له نصيبُ من الصحة وكذلك ما ذهب اليه الفرّاء؛ لأن تقدير وليس الاستفهام في تلك الاية لايخلو من معنى التنبيه، والتنبيه من معاني النداء وليس الاستفهام، لأن الاستفهام هو طلب المعرفة والخبر، ثم أن إجماع النحاة على ان اداة النداء (الهمزة) لم ترد في القرآن، فيه نظر، لأن تعبير القرآن لايمكن أن تحدّه أقوال النحاة واللغويين والمفسرين، لأن القرآن حمّال وجوه.

وكذلك فقد ذكر الفرّاء أن حرف النداء (يا) يستعمل لنداء القريب والبعيد على حدٍ سواء، وذهب النحاة الى أن الاصل في استعماله هو لنداء البعيد؛ لامكان امتداد الصوت ورفعه بها، ويستعمل لنداء النائم والساهي والغافل لانه بمنزلة البعيد، وأما استعماله لنداء القريب فهو مجازٌ يُراد به التوكيد [1] . وذهب قسم من النحاة الى أن جميع ادوات النداء المستعملة في نداء القريب هي تفيد التوكيد، فقال سيبويه:"وقد يجوز لك أن تستعمل هذه الخمسة غير (وا) إذا كان صاحبك قريبًا منك، مقبلًا عليك توكيدًا" [2] .

وذهب قسم آخر من النحاة الى ان حرف النداء (يا) في الاصل لنداء البعيد والقريب معًا، فقال المبرد:"إذا كان صاحبك قريبًا منك أو بعيدًا ناديته بـ (يا) " [3] ، وقال ابن الخشاب:" (يا) وهي الاصل تكون للقريب والبعيد" [4] . ورأى بعضهم أنها مشتركة بين القريب والبعيد، لكثرة الاستعمال [5] . وقرر بعضهم أن هذا هو الظاهر من استقراء كلام العرب [6] . وانكر الرضي الاسترابذي قول من قال بأنَّ (يا) تستعمل لنداء القريب مجازًا فقال:"استعملها في القريب والبعيد على السواء. ودعوى المجاز في أحدهما أو التأويل خلاف الأصل" [7] . وجعل الدكتور قيس الاوسي استعمالها لنداء البعيد هو الأصل، واستعمالها لنداء القريب هو لإفادة معنى التوكيد، وإن كانت تستعمل لكليهما على حد

(1) ظ: كتاب سيبويه: 2/ 229 - 230، والمقتضب: 4/ 233، والكشاف: 1/ 224، وشرح المفصل: 8/ 118، والجنى الداني: 354 - 358.

(2) كتاب سيبويه:2/ 230 - 232، و ظ: الاصول في النحو: 1/ 400 - 401، واللامات: 111 - 112، وشرح المفصل: 2/ 15، 8/ 118، والجنى الداني: 354 - 358.

(3) المقتضب: 4/ 35.

(4) المرتجل: لابي محمد بن الخشاب: 191.

(5) ظ: الجنى الداني: 354 - 358، ومغني اللبيب: 2/ 373.

(6) ظ: همع الهوامع: 1/ 172.

(7) شرح الكافية: 2/ 381.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت