(ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما) : أي لا يجدوا حرجا عندما يُذعنون لأي حكم تكليفي أو حكم قضائي، والحكم التكليفي نعرفه في: افعل ولا تفعل، أما الحكم القضائي فهو عندما يتنازع اثنان في شيء وهذا يقتضي أن نقبل الحكم في النزاع إذا ما صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو عن منهجه. إذن فلا بد أن نسلم تسليما في الاثنين: في الحكم التكليفي، وفي الحكم القضائي. [محاسن التأويل - تفسير الشعراوي]
الصبر لمضاعفة الأجر:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعَفُ له؛ الحسنةُ بعشرِ أمثالِها إلى سبعِ مائةِ ضِعفٍ، قال الله سبحانه: إلا الصومَ فإنه لي وأنا أجزي به". [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الجامع] ، وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"قال اللهُ: كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامَ فإنهُ لي وأنا أجزِي به ..".
فالأعمال الصالحة كلها تُضاعَف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد، بل يُضاعفه الله عز و جل أضعافا كثيرة بغير حصر عدد؛ فإن الصيام من الصبر، وقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)
[الزمر:10] ، ولهذا ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سمى شهر رمضان"شهر الصبر".
والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
وتجتمع الثلاثة في الصوم؛ فإن فيه صبرًا على طاعة الله، وصبرًا عما حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبرًا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن؛ وهذا الألم الناشىء من أعمال الطاعات يُثاب عليه صاحبه، كما قال الله تعالى في المجاهدين: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين) [التوبة:120]
واعلم أن مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب، منها: شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل، كالحرم؛ ولذلك تُضاعف الصلاة في مسجدي: مكة والمدينة، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألفِ صلاةٍ فيما سواه من المساجدِ إلا المسجدَ الحرامَ".
ومنها: شرف الزمان كشهر رمضان، وعشر ذي الحجة. وفي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"عمرةٌ في رمضانَ تَعدِلُ حَجةً معي".
وذكر أبو بكر بن أبي مريم عن أشياخه أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة؛ فإن النفقة فيه مضاعفة، كالنفقة في سبيل الله، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة في غيره.
قال النخعي: صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة، وركعة فيه أفضل من ألف ركعة.
فلما كان الصيام في نفسه مضاعَفًا أجرُه بالنسبة إلى سائر الأعمال، كان صيام شهر رمضان مضاعَفًا على سائر الصيام لشرف زمانه، وكونه هو الصوم الذي فرضه الله على
عباده، وجعل صيامه أحد أركان الإسلام التي بُني الإسلام عليها.
وقد يُضاعف الثواب بأسباب أخر، منها: شرف العامل عند الله، وقُربه منه، وكثرة تقواه، كما يُضاعَف أجر هذه الأمة على أجور مَن قبلهم من الأمم، وأُعطوا كِفلين من الأجر.
ترك حظوظ النفس إيثارا لمرضاة الله:
قال ابن القيم: إن الصائم لا يفعل شيئًا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده؛ فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارًا لمحبة الله ومرضاته، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده؛ فهو أمر لايطلع عليه بشر؛ وذلك حقيقة الصوم. [زاد المعاد]
فـ[الصيام هو مجرد ترك حظوظ النفس وشهواتها الأصلية التي جُبلت على الميل إليها لله عز وجل، ولا يوجد ذلك في عبادة أخرى غير الصيام؛ فالإحرام إنما يُترك فيه الجماع ودواعيه من الطيب دون سائر الشهوات من الأكل والشرب، وكذلك الاعتكاف مع أنه تابع للصيام، وأما الصلاة فإنه وإن ترك المصلي فيها جميع الشهوات إلا أن مدتها لا تطول، فلا يجد المصلي فقد الطعام والشراب في صلاته، بل قد نُهي أن يصلي ونفسه تتوق إلى طعام بحضرته حتى يتناول منه ما يسكن نفسه. وهذا بخلاف الصيام فإنه يستوعب النهار كله، فيجد الصائم فقد هذه الشهوات، وتتوق نفسه إليها خصوصًا في نهار الصيف لشدة حره وطوله.