الصفحة 7 من 103

كان يكفيه أنْ يبني على قَدْر ما تطوله يده، وبذلك يكون قد أدى ما أُمِر به، لكنه عشق هذا التكليف وأحبه فاحتال للأمر ووضع حجرًا على حجر ليقف عليه، ويرفع البناء بقدر ما ارتفع إليه.

فمحبة أمر الله مَرْقى من مراقي الإيمان، يجب أن نسمو إليه. هذه المحبة للتكاليف، وهذا العشق عبَّر عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما قال:"وجُعلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة"، لذلك نَعَى القرآن على أولئك الذين: (إِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا .. ) [النساء:142]

وفي عصور الإسلام الأولى كان الناس يتفاضلون بأسبقهم إلى صلاة الجماعة حين يسمع النداء، وبآخرهم خروجا من المسجد بعد أداء الصلاة، هؤلاء قوم عظَّموا شعائر الله فلم يُقدِّموا عليها شيئا.

وكان لتميم الداري حُلة بألف درهم يلبسها في الليلة التي يُرجَى أنها ليلة القدر. وكان ثابت البُناني وحُمَيد يغتسلان ويتطيبان ويلبسان أحسن ثيابهما، ويطيبان مساجدهما في الليلة التي تُرجَى فيها ليلة القدر.

وقد بلغ حُبُّ التكاليف وتعظيم شعائر الله بأحد العارفين إلى أنْ قال: لقد أصبحتُ أخشى ألا يثيبني الله على طاعته، فسألوه: ولماذا؟ قال: لأنني أصبحتُ أشتهيها .. يعني: أصبحتْ شهوة عنده، فكيف يُثاب على شهوة عنده؟!

لذلك أهل العزم وأهل المعرفة عن الله إذا ورد الأمر من الله وثبت أخذوه على الرَّحْب والسعة دون جدال ولا مناقشة، وكيف يناقشون أمر الله وهم يُعظِّمونه؟

ثم يقول سبحانه: (فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) : ليست من تقوى الجوارح، بل تقوى قلب لا تقوى قالب، فالقلب هو محلُّ نظر الله إليك، ومحلُّ قياس تعظيمك لشعائر الله.

والله تبارك وتعالى لا يريد أنْ يُخضِع قوالبنا، إنما يريد أنْ يُخضع قلوبنا، ولو أراد سبحانه أنْ تخضع القوالب لخصعتْ له راغمة، كما جاء في قوله تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ. إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) [الشعراء:3 - 4]

وأنت تستطيع أنْ تُرغِم مَن هو أضعف منك على أي شيء يكرهه، إنْ شئتَ سجد لك، لكن لا تملك أنْ تجعل في قلبه حبا أو احتراما لك، لماذا؟ لأنك تجبر القالب، أما القلب فلا سلطة لك عليه بحال. [تفسير الشعراوي - تيسير الكريم الرحمن - التبصرة]

الانقياد والتسليم لأمر الله:

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [الأنفال:24]

يأمر تعالى عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم وهو الاستجابة لله وللرسول، أي: الانقياد لما أمرا به والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه، والاجتناب لما نهيا عنه، والانكفاف عنه والنهي عنه.

وقوله: (إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) وصف ملازم لكل ما دعا الله ورسوله إليه، وبيان لفائدته وحكمته، فإن حياة القلب والروح بعبودية الله تعالى ولزوم طاعته وطاعة رسوله على الدوام.

ثم حذر عن عدم الاستجابة لله وللرسول فقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) فإياكم أن تردوا أمر الله أول ما يأتيكم، فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك، وتختلف قلوبكم، فإن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء. فليكثر العبد من قول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك. [تيسير الكريم الرحمن]

وقال تعالى: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَه) [الزمر:54]

(وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ) أي: توبوا إليه، (وَأَسْلِمُوا لَهُ) أي: استسلموا وانقادوا له، وذلك بعبادته وحده، وطاعته وحده، بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه.

وقال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء:65]

قال القاسمي: اعلم أن كل حديث صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بأن رواه جامعو الصحاح، أو صححه مَن يُرجَع إليه في التصحيح من أئمة الحديث، فهو مما تشمله هذه الآية، أعني قوله تعالى: (مما قَضَيتَ) ؛ فحينئذ يتعين على كل مؤمن بالله ورسوله الأخذ به وقبوله ظاهرًا وباطنًا، وأما إذا التمس مخارج لرده أو تأويله بخلاف ظاهره، لتمذهب تقلَّده وعصبية رُبِّيَ عليها، فيدخل في هذا الوعيد الشديد المذكور في هذه الآية، الذي تقشعر له الجلود وترجف منه الأفئدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت