الصفحة 6 من 103

-لشفاء القلب من الشبهات والشهوات: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين) [الإسراء:82]

-ليطمئن القلب بإذن الله: قال تعالى: (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب) [الرعد:28]

وبالجملة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالمؤمن إذا كانت له نية أتت على عامة أفعاله وكانت المباحات من صالح أعماله؛ لصلاح قلبه ونيته. [الاحتساب أيها الأحباب للمنجد (بتصرف) ]

ومن النوايا المتعددة التي نحتسبها عند الله منذ الليلة الأولى

الفرح والرضا بفريضة الصوم:

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا كانت أولُ ليلةٍ من رمضانَ صُفِّدت الشياطينُ ومردةُ الجنِّ وغُلِّقت أبوابُ النارِ فلم يُفتَح منها بابٌ، وفُتِّحت أبوابُ الجنةِ فلم يُغلَق منها بابٌ، ونادى منادٍ: يا باغيَ الخيرِ أقبِل، ويا باغيَ الشرِّ أقصِر، وللهِ عتقاءُ مِنَ النارِ وذلك في كلِ ليلةٍ". [رواه ابن ماجه، وصححه الألباني]

فالمؤمن الموفَّق يفرح بنفحات ربه القدسية مع أول ليلة، ويستشرف لحظة البداية لربيع قلبه؛ فإن نفحات الخير المباركة تتنزل من السماء على القلوب الجرداء كالغيث المغيث؛ فتنبت الخير، وتشرق الأنوار، وتتبدل الأحوال لنذوق طعم الإيمان، وتصير القلوب مزهرة بعدما كانت جرداء قاحلة.

فإن محبة الأعمال الصالحة والاستبشار بها فرع عن محبة الله عز وجل، والرضا بما فرضه الله من صيام الشهر، فترى المؤمنين متلهفين مشتاقين إلى رمضان؛ غير كارهين ولا مستثقلين، تحن قلوبهم إلى صوم نهاره، ومكابدة ليله بالقيام والتهجد بين يدي مولاهم .. ومَن رضي أمرًا سهل عليه ولذَّ له.

ففي هذه الأيام المباركات تصل البشارة للمذنبين التائبين بالعفو، وللمنقطعين بالوصل، وللمستوجبين النار بالعتق ..

يا شهرُ كم لي فيكَ مِن إشراقةٍ ... تَطوي الظلامَ وتَنشُرُ الأعراسَا

أنبتَّ بالتقوى شِعَابَ قلوبِنا ... وسَقَيْتَ بالآيِ الكِرامِ غِراسَا

نَفحاتُكَ الغَنَّاءُ رِفْدُ سعادةٍ ... تَستنزِلُ الرحَمَاتِ والإيناسَا

و نسائمُ الأسحارِ تَذهبُ بالضَّنَى ... وتُهَدهِدُ الوِجدانَ مما قاسَى

و بكلِّ سانِحَةٍ مَآثِرُ سُنَّةٍ ... مِن نُورِ أحمدَ أشرقَت نِبْراسَا

من قصيدة"أشجان في وداع رمضان"للمبدع/ صالح بن علي العمري (بتصرف)

احتساب الأجر عند الله:

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"مَن صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفرَ له ما تَقدَّمَ مِن ذنبِه، ومَن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنبِه". [متفق عليه]

(إيمانا) : أي مؤمنا بالله ومصدقا بأنه تَقرُّب إليه. (واحتسابا) : أي محتسبا بما فعله عند الله أجرا لم يقصد به غيره. أي طالبا للثواب منه تعالى، أو إخلاصا، أي: باعثه على الصوم ما ذُكر؛ لا الخوف من الناس، ولا الاستحياء منهم، ولا قصد السمعة والرياء.

قال الخطابي: احتسابًا أي عزيمة، وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه، طيبة نفسه بذلك، غير مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه.

قال ابن الأثير: الاحتساب في الأعمال الصالحة وعند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر.

أي المبادرة إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر، وباستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المشروع؛ طلبا للثواب ونجاة من العقاب.

(غفر له ما تقدم من ذنبه) : قال النووي: إن المكفرات إن صادفت السيئات تمحوها إذا كانت صغائر، وتخففها إذا كانت كبائر، وإلا تكون موجبة لرفع الدرجات في الجنات.

فمَن صام الشهر مؤمنا بفرضيته، محتسبا لثوابه وأجره عند ربه، مجتهدا في تحري سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فيه فهو من أهل المغفرة.

تعظيم الشهر لأنه من شعائر الله:

قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب) [الحج:32]

الشعائر: جمع شعيرة، وهي المعالم التي جعلها الله لعباده لينالوا ثوابه بتعظيمها، فالإحرام شعيرة، والتكبير شعيرة، والطواف شعيرة، والسَّعْي شعيرة، ورمْي الجمار شعيرة .. وهذه أمور عظَّمها الله، وأمرنا بتعظيمها. والمراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، وهي ما يؤدَّى من العبادات على سبيل الاشتهار، كالأذان، والجماعة، والجمعة، وصلاة العيد، والأضحية. وقيل: ما جُعل علَمًا على طاعة الله تعالى.

وتعظيم الشيء أبلغ وأشمل من فِعْله، أو أدائه، أو عمله، عَظَّم الشعائر يعني: أدَّاها بحب وعشق وإخلاص، وجاء بها على الوجه الأكمل، وربما زاد على ما طُلِب منه.

ومثالنا في ذلك: خليل الله إبراهيم - عليه السلام -، عندما أمره الله أنْ يرفع قواعد البيت؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت