[النية روح العمل، والعمل بغير نية صادقة رياء وتكلف، وهو سبب مقت لا سبب قرب. والنية ليست هي قول القائل بلسانه: نويت .. ! بل هو انبعاث القلب؛ يجري مجرى الفتوح من الله تعالى. وقد تتيسر في بعض الأوقات، وقد تتعذر في بعضها. فمَن كان الغالب على قلبه أمر الدين تيسر عليه في أكثر الأحوال إحضار النية للخيرات؛ فإنّ قلبه مائل بالجملة إلى أصل الخير؛ فينبعث إلى التفاصيل غالبًا. ومَن مال قلبه إلى الدنيا، وغلبت عليه لم يتيسر له ذلك، بل لا يتيسر له في الفرائض إلا بجهد جهيد، وغايته أن يتذكر النار، ويُحذِّر نفسه عقابها، أو نعيم الجنة، ويُرغِّب نفسه فيها؛ فربما تنبعث له داعية ضعيفة؛ فيكون ثوابه بقدر رغبته ونيته.
وأما الطاعة على نية إجلال الله تعالى لاستحقاقه الطاعة والعبودية فلا تتيسر للراغب في الدنيا، وهذه أعز النيات وأعلاها، ويَعِز على بسيط الأرض مَن يفهمها؛ فضلا عمَن يتعاطاها.] [الإحياء]
يقول الإمام عبد الله بن أبي جمرة: وددت أنه كان مِن الفقهاء مَن ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم؛ فما أُتي كثير ممَن أُتي إلا مِن قِبَل تضييع ذلك.
[فإن مبنى بداية أي عمل على التجرد، فإذا حُرِم العبد من صفائه في البداية فإنَّ عمله يظل مهتزًّا مهما شمخ عاليًا .. و (مَن لم يصح في مبادئ إرادته؛ لا يسلم في منتهى عاقبته) .. وصفاء الابتداء له معنيان يتتابعان في توالٍ؛ فيتلازمان: النية الصالحة، والهمة العالية، سمَّاهما"البحتري": نفْسٌ تضيءُ، وهمَّةٌ تتوقَّدُ
والنفس المضيئة كناية عن النفس التي احتوت نية صافية؛ فهي تنير بما يكون لها من هذا الصفاء .. وهي (النية الحرة) التي ذكرها"البحتري"فأحسن الوصف وأجاد .. فكأنها حرة مما يقيد غيرها من الأهواء والأطماع والمصالح، لم يستعبدها درهم ولا دينار، ولم تكن رقيقًا لمنصب أو شهوة.
فالمخلص لا يصدر قط عن شهوة، ولا طلب مصلحة، وإنما له في كل حركة وسكنة تطلعات إلى رضوان الله.
وبهذا الوصف وصف هشام بن عبد الملك ابن عمه عمر بن عبد العزيز، فقال:"ما أحسب عمر خطا خطوة قط إلا وله فيها نية".. ولذلك استطاع عمر في أقل من سنتين تقويم اعوجاج جيلين!!
ويتعاظم الخير في عقود المؤمنين مع الله كلما زاد تجردهم حين العقد، ولذلك رأت الدنيا عظم الخير في ولاية عمر بن عبد العزيز لما تجرد سليمان بن عبد الملك محض التجرد حين عقد له واستخلفه، وقال:"لأعقدنَّ عقدًا لا يكون للشيطان فيه نصيب".. وأما المُخَلِّط في نيته فيُخَلَّط عليه في أموره وسيرته .. ] [الرقائق للراشد]
يا مالكَ الأملاكِ أنتَ المَقصدُ ... يا مَن له كلُّ البرايا تَصمُدُ
أبوابُ كلِّ مُملكٍ قد أُوصِدَتْ ... ورأيتُ بابَكَ واسعًا لا يُوصَدُ
تعدد النيات يضاعف الحسنات
مرَّ بنا أن النية أبلغ من العمل، لأنه كلما زادت النوايا الحسنة تضاعفت الأجور، ولذلك يكون بعض العمال في مراتب عند الله أعلى من غيرهم؛ مع أن صورة العمل واحدة .. ورُبَّ عمل صغير تكبره النية، ورُبَّ عمل كبير تصغره النية ..
ولنأخذ مثالًا بقراءة القرآن: كم من النيات يمكن أن نستحضر بقراءة القرآن؟
-ابتغاء الشفاعة؛ ليشفع لنا القرآن يوم الدين: عن عبد الله بن عمر ب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"الصيامُ والقرآنُ يشفعانِ للعبدِ يومَ القيامةِ، يقولُ الصيامُ: أي رَبِّ منعتُه الطعامَ والشهوةَ فشفِّعني فيه، ويقولُ القرآنُ: منعتُه النومَ بالليلِ فشفِّعني فيه. قال: فيُشفَّعان". [رواه والطبراني، وابن أبي الدنيا، وصححه الألباني]
-للاستظلال من حر شمس يوم الدين: عن أبي أمامة الباهلي قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"اقرءوا القرآنَ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابِه، اقرءوا الزهراوين: البقرةَ وسورةَ آلِ عمرانَ فإنهما تأتيانِ يومَ القيامةِ كأنهما غَمامتانِ تُحاجَّانِ عن أصحابِهما". [رواه مسلم]
-لمُضاعفة الأجر بالتلاوة: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَن قرأ حرفًا مِن كتابِ اللهِ فله بهِ حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقولُ: الم حرف ولكنْ ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ". [رواه الترمذي، وصححه الألباني]
-للوقاية من النار: عن عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لو أنَّ القرآنَ جُعلَ في إهَابٍ ثم أُلقيَ في النارِ ما احترقَ". [رواه أحمد] (إهاب: هو الجلد، ويراد به جسد الحافظ)
-لارتفاع المنزلة في الجنة: عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يُقالُ لصاحبِ القرآنِ: اقرأْ وارقَ ورَتِّلْ كما كنتَ تُرتلُ في الدنيا؛ فإنَّ منزلَك عندَ آخرِ آيةٍ تقرأُها". [رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه، وقال الألباني: حسن صحيح]