فإذا اشتد توقان النفس إلى ما تشتهيه مع قدرتها عليه، ثم تركته لله عز و جل في موضع لا يطلع عليه إلا الله؛ كان ذلك دليلا على صحة الإيمان. فإنَّ الصائم يعلم أن له ربًّا يطلع عليه في خلوته، وقد حرم عليه أن يتناول شهواته المجبول على الميل إليها في الخلوة فأطاع ربه، وامتثل أمره، واجتنب نهيه خوفًا من عقابه، ورغبة في ثوابه؛ فشكر الله تعالى له ذلك، واختص لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله، و لهذا قال بعد ذلك:"إنه إنما ترك شهوتَه وطعامَه وشرابَه مِن أجلي" [متفق عليه] . قال بعض السلف: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره.
ولما علم المؤمن الصائم أن رضا مولاه في ترك شهواته قدَّم رضا مولاه على هواه فصارت لذته في ترك شهواته لله؛ لإيمانه باطلاع الله، وثوابه أعظم من لذته في تناولها في الخلوة إيثارًا لرضا ربه على هوى نفسه، بل المؤمن يكره ذلك في خلوته أشد من كراهته لألم الضرب، ولهذا كثير من المؤمنين لو ضُرب على أن يُفطر في شهر رمضان لغير عذر لم يفعل لعلمه لكراهة الله لفطره في هذا الشهر؛ وهذا مِن علامات الإيمان أن يكره المؤمن ما يلائمه من شهواته إذا علم أن الله يكرهه؛ فتصير لذته فيما يُرضي مولاه؛ وإنْ كان مخالفًا لهواه، ويكون ألمه فيما يكره مولاه، وإن كان موافقًا لهواه.
وإذا كان هذا فيما حرم لعارض الصوم من الطعام والشراب ومباشرة النساء، فينبغي أن يتأكد ذلك فيما حرم على الإطلاق: كالزنا وشرب الخمر وأخذ الأموال أو الأعراض بغير حق، وسفك الدماء المحرمة؛ فإن هذا يَسخطه الله على كل حال وفي كل زمان ومكان.
فإذا كمل إيمان المؤمن كره ذلك كله أعظم من كراهته للقتل والضرب، ولهذا جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - من علامات وجود حلاوة الإيمان"أنْ يَكْرَهَ أنْ يعودَ في الكفرِ بعدَ أنْ أنقذَهُ اللهُ مِنهُ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النارِ". [رواه مسلم]
سئل ذو النون المصري: متى أحب ربي؟ قال: إذا كان ما يكرهه أمر عندك من الصبر.
وقال غيره: ليس من أعلام المحبة أن تحب ما يكرهه حبيبك.
وكثير من الناس يمشي على العوائد دون ما يوجبه الإيمان ويقتضيه، فلهذا كثير منه لو ضرب ما أفطر في رمضان لغير عذر، ومن جُهالهم مَن لا يفطر لعذر؛ ولو تضرر بالصوم؛ -مع أن الله يحب منه أن يقبل رخصته- جريا على العادة، وقد اعتاد مع ذلك ما حرم الله من الموبقات؛ فهذا يجري على عوائده في ذلك كله لا على مقتضى الإيمان.
ومَن عمل بمقتضى الإيمان صارت لذته في مصابرة نفسه عما تميل نفسه إليه إذا كان فيه سخط الله، وربما يرتقي إلى أن يكره جميع ما يكره الله منه، وينفر منه؛ وإن كان ملائمًا للنفوس، كما قيل:
عذابُه فيك عذبُ ... وبُعدُه فيكَ قُربُ
وأنت عندي كرُوحي ... بل أنتَ منها أحَبُّ
حسبي مِنَ الحُبِّ أني ... لِمَا تُحِبُّ أُحِبُّ
المنافسة في السبق إلى الله عز وجل:
عن الحسن قال: إن الله جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون.
قال تعالى: (وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) [فاطر:32]
(سابق بالخيرات) : هو الذي يسارع فيها ويجتهد، فيسبق غيره، وهو المؤدي للفرائض، المكثر من النوافل، التارك للمحرم والمكروه.
وقال تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) [المطففين:26] ، أي: فليرغب الراغبون بالاستباق إلى طاعة الله تعالى.
قال ابن جرير: التنافس أن ينفس الرجل على الرجل بالشيء يكون له، ويتمنى أن يكون له دونَه، وهو مأخوذ من الشيء النفيس، وهو الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه، وكأن معناه في ذلك: فليجدّ الناس فيه وإليه، وليستبقوا في طلبه ولتحرص عليه نفوسهم.
وقال الرازي: إن مبالغته تعالى في الترغيب فيه تدل على علو شأنه.
(وَفِي ذَلِكَ) النعيم المقيم، الذي لا يعلم حسنه ومقداره إلا الله، (فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) أي: يتسابقوا في المبادرة إليه بالأعمال الموصلة إليه، فهذا أولى ما بُذلت فيه نفائس الأنفاس، وأحرى ما تزاحمت للوصول إليه فحول الرجال. [محاسن التأويل - تفسير السعدي]
قال وهيب بن الورد: إن استطعتَ أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل.
وقال بعض السلف: لو أن رجلا سمع برجل هو أطوع لله منه فمات ذلك الرجل غمًّا؛ ما كان ذلك بكثير!
قال اللبيدي: وجدتُ بعد موت أبي إسحاق الجبنياني رقعة تحت حصيره مكتوبة بخطه:"رجل وقف له هاتف، فقال له: أحسِن .. أحسِن عملك؛ فقد دنا أجَلُك".. قال لي ولده عبد الرحمن: إنه كان إذا قَصَّر في العمل أخرج الرقعة فنظر فيها، ورجع إلى جِدِّه.