الصفحة 12 من 13

فالخلق: نومة الهاجرة، وهي خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والحرق: نومة الضحى، تشغل عن أمر الدنيا والآخرة، والحمق: نومة العصر، قال بعض السلف: من نام بعد العصر، فاختُلس عقلُه، فلا يلومنَّ إلا نفسه، وقال الشاعر:

أَلاَ إِنَّ نَوْمَاتِ الضُّحَى تُورِثُ الفَتَى = خَبَالًا وَنَوْمَاتُ العُصَيْرِ جُنُونُ

ونوم الصبحة يمنع الرزقَ؛ لأن ذلك وقتٌ تَطلُبُ فيه الخليقةُ أرزاقَها، وهو وقت قسمة الأرزاق، فنومُه حرمانٌ، إلا لعارضٍ أو ضرورة، وهو مضرٌّ جدًّا بالبدن؛ لإرخائه البدن، وإفساده للفضلات التي ينبغي تحليلها بالرياضة، فيحدث تكسرًا وعيًّا وضعفًا، وإن كان قبل التبرز والحركة والرياضة، وإشغال المعدة بشيء، فذلك الداء العضال، المولد لأنواعٍ من الأدواء [1] .

(فصل)

في أن مدافعة النوم تورث الآفات

وأن اليقظة أفضل من النوم لمن يقظته طاعة

لا ينبغي مدافعةُ النوم كثيرًا وإدمان السهر؛ فإن مدافعة النوم وهجْره مورثٌ لآفاتٍ أُخَرَ من سوء المزاج، ويبسه، وانحرافِ النفس، وجفافِ الرطوبات المعِينة على الفهم والعمل، وتورث أمراضًا متلفة، وما قام الوجود إلا بالعدل، فمن اعتصم به، فقد أخذ بحظِّه من مجامع الخير.

وفي"الآداب الكبرى"قال بعض الحكماء: النعاس يُذهِب العقل، والنوم يزيد فيه؛ فالنوم من نِعَم الله - جل شأنه - على عباده، ولهذا امتنَّ به عليهم في كتابه.

واليقظة أفضل من النوم، لا مطلقًا؛ بل لمن تكون يقظتُه طاعة، لا لمن تكون يقظته معصية، فإن كان لو لم ينم لم يشتغل بخير، وربما خالَطَ أهلَ الغفلة، وتحدَّث معهم، فضلًا عن إتيانه العظائمَ من الخطايا والجرائم - فالنوم خيرٌ له؛ بل ربما يكون واجبًا عليه إن كان لا يتخلص من ملابسة الحرام إلا به؛ إذ في النوم الصمت والسلامة، كما قال بعض السلف: يأتي على الناس زمان الصمتُ والنوم فيه أفضلُ أعمالهم.

(1) المصدر السابق 241 - 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت