الصفحة 35 من 44

إذن فالبيع بيع صوري لا حقيقي والصور لا تغير الحقائق ولا ترتفع بها الأحكام، ولقد حدث أنه إذا لم يكف المال الموجود عند صاحب الدكان للدراهم التي يريدها المستدين فإنهم يعيدون هذا البيع الصوري على نفس المال وفي نفس الوقت، فإذا أخذه صاحب الدكان من المستدين باعه مرة أخرى على الدائن، ثم باعه الدائن على المستدين بالربح الذي اتفقا عليه من قبل، ثم باعه المستدين على صاحب الدكان فيرجع الدائن مرة أخرى فيشتريه من صاحب الدكان ثم يبيعه على المستدين بالربح الذي اتفقا عليه.

وهكذا أبدًا حتى تنتهي الدراهم فربما يكون المال الذي عند صاحب الدكان لا يساوي عشر مبلغ الدراهم المطلوبة ولكن بهذه الألعوبة يبلغون مرادهم والله المستعان.

الوجه الثاني:

مما يدل على تحريم هذه المداينة أنه إذا كان مقصود الدائن والمدين هي الدراهم فإن ذلك حيلة على الربا بطريقة لا يرتفع بها مقصود الربا، والتحايل على محارم الله تعالى جامع بين مفسدتين؛ مفسدة المحرم التي لم ترتفع بتلك الحيلة، ومفسدة الخداع والمكر في أحكام وآيات الله تعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولقد أخبر الله عن المخادعين له بأنهم يخادعون الله وهو خادعهم وذلك بما زينه في قلوبهم من الاستمرار في خداعهم ومكرهم فهم يمكرون، ويمكر الله والله خير الماكرين.

قال أيوب السختياني: يخادعون الله كما يخدعون الصبيان ولو أتوا بالأمر على وجهه لكان أهون. ولقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته من التحايل على محارم الله فقال:

(لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) (1) . وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها) (2) .

(1) …قال ابن تيمية رواه أبو عبد الله بن بطة وقال هذا إسناد جيد.

(2) …رواه أحمد وأبو داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت