كانت حفلةُ شاي بمناسبة عامّةٍ, غلبَ عليها جوُّ النّكتةِ المبتذلةِ والهزلِ السّاخرِ, تنهدتْ بعمقٍ نسيتْ يدها بينَ يديهِ , عفوًا كأنّها تعرِفُه من قبل... عيناها تراقبانهِ عن بعدٍ بتحفظٍ, قهقهاتٌ وهمساتٌ جانبيةٌ... لكنه ظلَّ صامتًا يرقبُ تبدلاتِ ملامحِهم, ضجيج ُ تبادلِ الأنخابِ نفّره كانَ لهُ طابعًا استثنائي كحضورهِ... أمطرَ يباسُ جسدِها بعذوبتهِ وتحليلهِ للأشياء أخرجها من صمتِها ... أنعشِ روحَِها , يالهُ من رجلٍ, عضتْ على شفتِها السّفلى كلُّ ما فيهِ يشدّها إليه.. تمنتْ أن تأخذهُ بعيدًا عن أعينهم, تمنحهُ ذاتَها تفرشُ لهُ أوجاعَها, تقصّ عليهِ حكايتَها, لو عرفته من قبل... لمدّتْ لهُ عمرَها... سنينٌ عديدةٌ تفصلٌ بينها وبينهُ, غريبةٌ هي الأقدارُ ... تأتي بها هاربةً من رجلٍ منحتهُ عمَرها... ثم غادرَها مع أنثى أخرى....
يواجه الإنسان أقدارًا ليسِ لهُ فيها يدٌ ... وتحدثُ معهُ أشياءٌ لا يتوقعُ حدوثَها ... هاهي تميل إلى رجلٍ لا يمكنُ أن تمتلكهُ.
أدهشَها عالمُ الوظيفةِ, لم تجدْ فسحةً لضيقِها ,انغلقتْ أبواب عالمِها وهي تمنحُ عطفَها للعابرينَ, ما بهِ هذا الرّجلُ يتركُها للقدرِ من جديدٍ, لم تكنْ تُظهرُ غيرتَها عليهِ, ولمْ تعرفْ تلكَ الغيرةَ التي تسكنُ داخلهُ ( تجاربُه في الحياةِ غنيةٌ ) سارا وحيدينِ رغمَ ازدحامِ الشّارعِ, لم يشعرا بأحدٍ, قصّتْ عليهِ جزءًا من حكايَتِها , وأخفتِ الكثيرَ ابتسمَ لها بنفسٍ طويلٍ ... تكلّمي بحرّيةٍ: الأشياءُ التي نكتُمها تؤرّقُنا تجعلُنا بعيدينَ عن الواقعِ... تبقينا مغلفينَ بآهاتِنا وأحزاننا علينا أن تعيشَ المرحلة التي نحياها... ثم علينا مراقبةُ ما تدفعهُ الأقدارُ لنجدَ طريقًا يوصلُنا إلى شاطئ الأمانِ, قالتْ في نفسِها: إنّهُ يعلمُ ما أردتُ قولَهُ ولم أقلْهُ!! تعلّقتْ به أكثر...رجلٌ طيبٌ كلماتُهُ فيضُ ماءِ أنعشَ روحَها, أيقظ غفلَتها , إنّهُ يحيطُها برعايةٍ لم تعهدْها من قبلُ... انكسرتْ أسئلَتها... حضورُه يجعلُها تلتزمُ الصّمتَ, كأنّها تعيشهُ حتى في أحلامِها , لم تعتدْ حبسَ عواطِفها, ولا ترتيبَ نفسِها, انغمستْ في متاهاتِ الحياةِ, والآخرونَ تبيعهمْ هواها ثم تجعلُهم يعيشونَ لحظاتِ دفع الثّمنِ, تمشي بهم فوقَ جمرِ النّدمِ , تهيمُ بهم على حافةِ النّهرِ وتمنعُ ماءَها عنهم... ظمأٌٌ موحشٌ رافقَ سنواتِ عمرِها.