المراهقةِ دفعتْها لأن تركبِ الحافلَةَ بصمتٍ وتودّع أحبتَها بصمتٍ... المدينةُ كبيرةٌ , لا أحدَ يعرفُ عن الآخر أي شيء كلّ يجري وراءَ لقمةِ عيشهِ, عليها أن تحتفظَ بذاكرتِها وحدها, رطوبةُ"البولمانِ"خدّرت جسدَها النّحيفِ, ياه كانتْ ليلةً قلقةً وثقيلة, لم يعرفِ النّومُ طريقهُ إلى عينيها , أطبقتْ جفنيها على حلمٍ يلاحقها... عشراتُ الأسئلةِ تواجهُ ندى, في بدء خطواتِ الغربةِ, المدينةُ بعيدةٌ ومشاكلها أكبرُ... المهمُ أن أبتعدَ عن مسرحِ الذّاكرةِ, كلّ شيء ضاعَ في لحظةٍ ... فتحتْ يديها بهاتينِ اليدينِ قدّمتُ أحلامي لأنثى منحتُها ورودي وذكرياتي.. و قدّم لها مرافقُ الحافلةِ كأس ماءٍ .. انتبهتْ...عفوًا تناولتهُ دفعةً واحدةً لا شيء يروي عطشَها... استغرقتْ في نومٍ لم تعهدهُ من قبلُ...
غفوةٌ هاربةٌ من زمنٍ تواجهها أسئلتهُ المحرجةُ, صعدتْ إلى غرفةٍ بلا نافذة بابٌ مفتوحٌ على ضيقِ غرفةٍ جوّها حارٌ وخانقٌ... انغمتْ وأحسّتْ أنّ ثقلًا يضاف فوق تعبِها, أخذتْ ترتبُ حاجياتِها , راحتْ تفتشُ في أوراقِها الخاصةِ بعضُ الصور القديمة للنّاس الذين عايشتهُم زمنًا... رحلُوا بلا وداعٍ ... توغلتْ في ذاكرةٍ من وجعٍ وحنينٍ, نقيقُ ضفادع... ألقتْ تعبَها على وسادةٍ وفراشٍ من صمتٍ, حاولتْ أن تنامَ, اللعنةُ على الضّفادعِ ونقيقَها ... بالغتْ في توقعاتِها كان الصّباح حارًا ... أشعةُ الشّمسِ الحارقةُ خدشتْ أنوثتَها الرّقيقةَ, هنا لا تستطيع إعطاء الحرّيةِ لجسدِها ... الفضاءاتُ مغلقةٌ, عيونٌ جارحةٌ وأوامرُ المنعِ مقيتةٌ, تسلّمتْ أوراق عملِها ... خطواتُها في عالمِ الوظيفةِ بائسةٌ كحالتِها, سألتْ نفسَها مراتٍ عديدةً ... كيف تتأقلمُ مع حياتِها الجديدةِ في مدينةٍ لا صلةَ تشدٌّها إليها...؟
جففت دموعَها , إنّها وحيدةٌ نتقاذفُهما الحياةُ , قدرُها يشبهُ الأواني المحطمةَ , بدأ ينمو في داخلِها شعورُ توجسٍ وخيبةٍ ومرارةٍ, جاءَ المساءُ باهتًا, بضعُ غيماتٍ داكنةٍ تشكّلت حول القمرِ, أخذتْ تراقبُ انفلاتَهُ منها... تعرفتْ إليه أوّلَ مرّة بين مجموعةٍ من أشخاصٍ مختلفينَ, لكنّه وحدهُ شدّها رغمَ تعلّقها برجلٍ لا يشبههُ, شعرتْ بميلٍ غريبٍ أنعشَ أوردتَها المتيبسةَ , نحو هذا الرّجلِ المتعالي قالتْ لنفسِها: ذلكَ منذُ النّظرةِ الأولى.