ها هو الآن وحيد، كما بدأ خطواته الأولى، تلفه زوجته بدفئها يضمهم بيت مبني من الحجارة والطين، يذكر جيدًا كيف تعاون مع أهل القرية على بنائه... تنهد، لقد تغير كل شيء، لا أحد يساعد أحدًا هذه الأيام، /حتى العمل بالأجرة بات يتم بعد أن ينام الضمير/ كل يلهث خلف المادة.. تذكر بيتًا من الشعر ما زالت ذاكرته تختزنه:"ولا تحسبن المال خلّد أهلَهُ... فمن ذا الذي أضحى بمال مخلدًا المهم الأولاد كل راح وراء عمله بعد أن تزوجوا.. شعر بغصة في حَلْقِهِ، ووخزة مؤلمة بصدره، لقد باع قطعة كبيرة من الأرض من أجل تأمين بيت صغير لكل واحد منهم يعيش فيه.. تمتم"الحمد لله"وتابع عمله."
عشقت عيناه الفجر، كما عشقت يداه التربة التي يفرشها حول جذع شجرات الفستق، والزيتون، مد خطواته فوق الخطوط الحمراء الرطبة شعر بالراحة، لقد تحققت بعض أحلامه الصغيرة"بدأت الشمس ترسل أشعتها الذهبية لتنشر دفئها على الحقول.. والناس، بخار ينطلق من أغصان الشجر.. تفقد الأشجار واحدة، واحدة، كان يرعاها، كما يرعى أبناءه، هذه بحاجة إلى الدواء.. وتلك بحاجة إلى قصقصة بعض الأغصان الصغيرة، وبعضها بحاجة إلى قليل من التربة حولها، انغمس بعمله غير مبال بما يدور حوله، ومر الوقت سريعًا، شعر بالجوع والتعب، جلس تحت ظل شجرة الفستق، مد ساقيه.. الشمس تدفئ صقيع عظامه، غالب النعاس جفنيه، طوته أحلام الذاكرة.. يوم وصل إليه بلاغ/ الجمعية الفلاحية/ بوجوب ذهابه إلى معمل الجرارات في حلب لدفع المبلغ المطلوب حتى يستلم جراره الحديث... لم تتسع الدنيا لفرحته، شعر بشيء أكبر من الفرح، كان الدمع ساخنًا... مسحه عن خديه قبل أن تراه فطوم.. لقد تجاوز الستين من عمره، وهو يعمل عند الآخرين بأجرة لم تكن تكفيه مع عائلته."