مع بياض الفجر نهض من فراشه نشيطًا ناسيًا تعبَ الأمس شمر عن ساعديه، غسل وجهه بالماء البارد، بدأ تلاوة تراتيل الفجر.. عبر شقوق الباب الخشبي، لفحته نسائم الصباحات الرطبة ارتدى بدلة العمل، وأخذ يعدّ أدوات الجرار استعدادًا للذهاب إلى حراثة الأرض، تنهد بعمق كأنه يكشف صدره... يا له من زمن دارت به الذاكرة، شريط بدأ مع خطواته الأولى في عالم الطفولة وراء المحراث الخشبي /والبغلين القويين/ وسوط خاله أبي سالم يجلد شقاء طفولته... كان عليه أن يرتقي إلى عالم الرجولة مبكرًا... العائلة مسؤولية يا خال.. ردد خاله، الأرض وحدها تثبت أنك رجل قادر على تحمل المسؤولية!! ازداد تعلقه بالأرض وشوقه إلى عالم الرجولة... مما دفعه لأن يعمل بصمت، ليتعلم فنون الفلاحة، قال خاله: انتبه يا ابن أختي: جمع عددًا من الحجارة ذات الحجم المتوسط، لملم أطراف عباءته، وضعها فوق بعضها على شكل عامود صغير في أول الأرض.. مد خطواته إلى آخر الخطوط الحمراء وأقام عامودًا من الحجارة أيضًا.. وقف بمواجهته، أشار إليه... اسمع: هي على استقامة واحدة.. عندما تحدد مسارك بهذه الدقة تصبح فلاحًا... ابتسم، ورجلًا أيضًا، ضحك وهز رأسه ياله من زمن، كل هذا ولم يكن قد تجاوز الرابعة عشرة من عمره، تلمس شقوق يده، حمد الله، صعد إلى الجرار الحديث، وضع المفتاح بتأن، أداره ورغم ضجيجه ودخانه... كان محببًا إليه.. يشبهه بصوت الناي، توكل على الله، واندفع بالطريق المؤدية إلى الحقل، يدندن بمطلع قصيدة صوفية"يا بارقًا لاح من أكناف كوفاني هيجت لي فرط أشواقي وأحزاني"بصوته بحة يسكنها الحزن، كان رغم انشغاله بالأرض والمحراث شديد التعلق بالشعر.. والفلسفة والتاريخ، حبه للأرض جعله يعمل بلا أي ملل كم ردد أمام أولاده: أنا عندما أتوقف عن العمل يا أولاد.. أموت!!.