فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 73

خريفُ يغري امرأةً تجاوزتها السّنواتُ لأن ترتدي أجمل ملابسها.. تسعى للقياكَ، غريبةٌ شخصتْ إليها كلُّ العيونِ، كنتُ عائدةً إليك من حلمٍ نسجتهُ ذاكرتي لأنكَ المستحيلُ الممكن ودروبك مبهمةٌ أمشي إليك.. تتوهُ خطواتي أذكر أنّ بعض القناديل كانت هنا.. أيضًا تنبهني الذّاكرةُ.. لقد سرقوا قناديل الليل... ليعيشَ اللَّصوص بأمانٍ.. صورٌ شتى تتراكضُ خلفَ الطّيفِ راياتٌ سود أكاليلُ من غارٍ وبياضٍ يبدو أني دخلتُ عمرَ التّخريف مبكرًا أو أنني أقلقتُ الذّاكرة من جديدٍ بتخيلاتي وأوهامي.. عشقتُ البحرَ... أرمي إليه رسائلي علّها تصلُ إليك أيها الحالم بمدنٍ تشبه بياضَ الفجرِ... وعيني امرأةٍ خارجةٍ من خوابي النّبيذِ المعتّقِ... أذكرُ أنّك قلت لي يومًا إنّ حلمًا مربكًا وأنتَ تقفُ خلفَ نافذةِ البيت القديم... كانتِ السّماءُ تجودُ بكلِّ مطرها على الأرض... رأيت امرأةً لها جمالها الخاص تخرج من فنجان القهوة ترتدي ورق الزّيتون مغسولة بعطرِ الهيل تقدّمُ لكَ قهوة الصّباح أسرعت أنتَ لتأخذها إلى صدرِكَ، كان الهواء وبعضُ الفناجين التي تحطمتْ وارتطامُ قدميكَ بخشبِ الطّاولةِ... أذكرُ أنَّ كفيك كانتا مدميتينِ سكبتَ فوقها لترًا من العرقِ ولففتها بشالِ أمّك الحريري... يا له من حلمٍ ركضت خلفه عمرًا كاملًا... صقيعٌ قاسٍ يخيّم في سريري ها أنا أخربشُ بعضًا مني على أوراقي أرميها للموج... أشعرُ أنّ العمر يتسربُ من بين أصابعي، فخاراتُ النبيذ ما زالت رفيقتي، لم ألتقيكَ ولم تضمّكَ عيناي ولم تعصر بيديكَ أوجاعي... أشعرُ أني أعرفك منذ أمطرتِ السّماءُ أوّلَ مرّةٍ ومنذ تفجرت ينابيع الدّم في جسدي، ومنذ دوّتْ صرختي في بيتنا القديم ومنذ جرحت يديّ وأنا أركشُ بين شجيرات الزّيتون، ومنذ كتبت اسمي أوّل مرَّةٍ على ورقٍ في مدرسة قريتنا القديمة... كنتُ أراكَ على الصّفحات وبين الورق وتحت ملابسي وعطري كنت أنت أشياء خلوتي المحببة...

أخذت الأوراق من جديدٍ وضَعَتْها في ظرفٍ أنيقٍ سكبتْ عليها قبلاتها ثم ألقتها إلى البحر تقاذفها الموجُ بعيدًا... عيناها تراقبانِ بأسى اللون اللازوردي.

"رسالةٌ ثانيةٌ من وجعٍ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت