ابتسمتْ ياه . منذ زمنٍ بعيد لم تبتسمْ هي ... هل نرحلُ ونتركُ كلّ شيء ... أم تنتظرُ قدرًا آخرَ .. كانَ صباحًا ندّيًا تناولتْ وعاءَ الماءِ, وراحتْ تسقي نباتاتٍ طرّيةً وتوزّعُ الأصيص على جانبي مدخلِ البيتِ, هذه النباتاتُ تشارِكها حياتَها وترعاها حتى تكبرَ , افترتْ شفتاها عن ابتسامةٍ حزينةٍ بصوت ذي بحة خاصة, راحتْ تغني مع فيروز, قطفتْ حبقةً خبأتها في صدرِها . اعتادت كل صباح أن تقدّمُها إليهِ ( هديتني وردة خبيتا بكتابي ... زرعتا عالمخدة...) يالفيروز !! تشبهُ الصّباحاتِ والياسمينِ والحبقَ ولها طعمُ الهيلِ , هو لايحبُّ المرأةَ"المزركشةَ"
كانَ يقولُ: جمالُ المرأةِ في روحِها . كلّ الأفكارِ السّيئةِ تراكمتْ في رأسِها, لم تجدْ مبررًا لوجودِها قالَ لها: لا تزالينَ شابةً ... انظري حولَكِ جيدًا.. افتحي عينيكِ لتري الدّنيا أكثرَ جمالًا ... لا تخافي, مدَّي خطواتكِ, ثقي بنفسكِ... لا تنظري للماضي... اخلعي ثوبَ الحزنِ, لملمي دمعاتِكِ, خبئيها لزمنٍ يأتي فرحًا, عرفتْ أنهُ يريد إخراجَها من ضياعِها
عليكِ أن تكوني امرأةً واحدةً ... بعاطفةٍ وقلبٍ ومشاعرَ أضاء لها قنديلًا... قالَ لها قبلَ أن يودّعها: كوني امرأةً قويّةً تختزنُ الماضي كحلمٍ ... ولا تأسفي عليهِ يا ندى
دمشق 2001
وحيدا ... يمشي
وحيدًا يعيش يمضي يومه بين البيت والحديقة, يمدّ خطواته في الشوارع المزدحمة يحدّق في ملامح المارة كمن يفقد غاليًا, تراه أحيانًا يقف بقرب شارات المرور يراقب الصبية الصغار, وهم يتراكضون مندفعين إلى السيارات الواقفة غير آبهين بحياتهم الفتية. المهم أن يصل أحدهم قبل الآخر , تنفرج أساريره فرحًا بالزّبون, هزّ رأسه بأسى يا لهؤلاء الصبية, إنهم يبيعون كل شيء, خاصة للغرباء عن المدينة, مظهرهم يبدو كالشحاذين, تابع سيره باتجاه الجسر الكبير, هاله ما يراه, أكوام من الأجساد البشرية تفترش الأرصفة تحت الجسر بانتظار أي صاحب عمل ينهضون مسرعين يلتفون حوله كل يعرض خدماته, حفريات , تمديد مجار, عناية بحدائق المنازل, أي شيء , المهم أن يعودوا آخر النهار إلى بيوتهم يحملون ما يسدّ رمق عيالهم ويلبي بعض"ضروريات الحياة"كان كل يوم يستغرق وقتا طويلا قبل أن يصل إلى الحديقة , يجلس على مقعده المعتاد قرب البحرة الصغيرة يشعل لفافة تبغ, يبدأ يومه بمطالعة الصحف اليومية, أحس بالملل...