الصور نفسها تتكرر كلّ صباح, كأن من يكتبون لا يواكبون الأحداث اليومية, أو أن أقلامهم تعرف ما هو مطلوب منها بشكل آلي فلا تكتب أكثر ولا أقل مما هو مطلوب, مدّ يده إلى جيب سترته الداخلية أخرج أوراقًا قديمة ركز نظارته الطبية على عينيه , وراح يقرأها بتمعن, هذه الأوراق تستجره إلى التاريخ كم من الأحداث التي حشرت فيه تتعب ذاكرته , تعيده لأيام زمان حيث الصوت لا يتسع له الفضاء , والشارع لا يتسع للمتظاهرين , يعلون أكتاف بعضهم, والرايات عالية تخفق فوق الهامات, تنهد بحرقة إيه يا أبا ياسر: مشوار الحياة طويل وأنت وحيد, تطول الليالي فيك تتوه بين الحكايات التي أغفلها الوراقون فكتبوا تاريخًا يستند إلى حضارة وأمجاد... وقصور وحدائق وجوار, تساءل كم من الأزمنة عبرت فوقها؟ أخذ نفسًا من لفافة التبغ, حرق جمرها شفتيه, ألقى بها على الأرض . داسها بحذائه, أحس بألم في عينيه دعكهما, كأن فيهما رمل طوى الأوراق وأعادها إلى جيبه , خلع النظارة , مسحها بطرف قميصه ثم أعادها إلى علبتها, الوقت ظهر الشمس تلفح وجهه لملم أشياءه بقامته المنحنية, سار باتجاه البيت محاولا أن يخرج من تلك الدوائر التي يحبس فكره فيها, ألقى الأوراق فوق الطاولة بقرف. جلس على كرسي خشبي بمواجهة رفوف الكتب, تأملها مليا, قرأ بعض العناوين . شعر بألم في رأسه. وضع إبهاميه فوق صدغيه . ضغط بشدة. استمر الألم , ضغط أكثر.أحس بدوار, أراد أن يمشي اختل توازنه, أسند ظهره إلى الجدار الرطب, راحت الصور المعلقة عليه تلف من حوله/ تشي غيفارا بلحيته وقامته المديدة/ وتلك الصورة تركض على الجدار , طفل صغير تختزنه رسوم"ناجي العلي"في عينيه بريق جرأة لا يهدأ وموج من الحزن بلا نهاية/ حنظلة/ راح يلتقط الأوراق التي كَتَبَ عليها قصائد , وأشعارًا, وأغاني يمزقها ويدوسها بقدميه العاريتين , دعك عينيه . خيالات تتقدم نحوه قال لنفسه: ربما القلق والتعب وراء ذلك؟ خرجت الصور من ملامحها . تقدمت أكثر, غيفارا تخلى عن لحيته... عن وقاره!! حنظلة خرج من ظله , وراح يشرب كأسًا من الدم ويغني ويرقص... حدق به جيدًا , أصابع قدميه داميتان . صرخ بوجه الرجل غاضبًا , من أين جاء كلّ هؤلاء الغرباء؟ كيف تغلغلوا تحت عيوننا؟ أحس أبو ياسر بقشعريرة تسري في أوصاله ينبت الخوف من خلايا جسده بما يشبه الوشم , انفلتت عاصفة تحمل رمل الفيافي . خلعت الأبواب , حطمت النوافذ , تكومت تحت قدميه جمرًا, تعبر من