فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 136

تعرضت الديار الفارسية لهزة عنيفة في أعقاب وفاة كسرى الأول أنو شروان ، ومن المؤكد أنه كانت هناك إرهاصات لهذا الاضطراب في عهود سابقة تعزى إلى الصراعات بين كهنة الديانات الرسمية الثلاث وهي: الزرادشتية ، والمانوية ، والمزدكية ، وتعزى كذلك إلى التنافس على السلطة: بين طبق الكهنة ، وطبقة الأشراف . ولكن هذه الصراعات لم تتفجر إلا بعد موت أنوشروان ، حتى اضطر وريثه كسرى الثاني ـ وكان صبيًا ـ إلى الهرب ، ولم يجد سليل آل ساسان من ملجأ سوى عرش الروم ، العدو اللدود لدولة الفرس ، وقدر إمبراطور الروم ،"موريس"هذا الصنيع لعدوه الصغير ، فأكرمه وتبناه وزوجه إحدى بناته ، ثم ساعده حتى تمكن من العودة إلى عرش آبائه بعد عشر سنوات قضاها في المنفى.

ولكن فترة التهادن بين فارس وبيزنطة لم تستمر طويلًا ، إذ وقعت مؤامرة داخل البلاط الرومي أودت بحياة موريس فهب كسرى الثاني للأخذ بثأر حميه من قاتله الإمبراطور الجديد"فوكاس"، فجهز جيشًا كبيرًا زحف به نحو الشام ، ولكنه بدلًا من أن يواصل السير نحو بيزنطة، عرج إلى الجنوب فدخل القدس وخربها وسرق الصليب المقدس وبعث به إلى بلاده ، ثم تقدم نحو مصر فاحتلها ثم واصل الزحف على طول الساحل الأفريقي .

هذه الحادثة التي اندحر فيها الروم على أيدي الفرس عام 615 م ، ترددت أصداؤها في أرجاء الجزيرة العربية وتسامع بها المسلمون وهم يومئذ في مكة نفر قليل يلتفون حول صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم ويلقون العنت على أيدي مشركي قريش . ولم يستطع المسلمون إخفاء تعاطفهم مع الروم باعتبار أنهم من أهل الكتاب . ولم يستطع المشركون إخفاء شماتتهم في هزيمة الروم . ودخل المسلمون في جدل مع الكفار بلغ حد الرهان على أن غلبة الفرس لن تدوم ، وسيكون النصر للروم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت