إذا كان الأمر كذلك , فإنه يمكننا أن نتفهم عناصر الصراع القائم بين العراق وإيران من خلال تتبع مجرى العلاقات التاريخية بين البلدين والعوامل التي حكمت هذه العلاقات - إن سلبًا أو إيجابًا- ففي ذلك تبيان لكثير من الأحداث التي ظهرت الآن على السطح في شكل حرب مدمرة أفاض المحللون السياسيون في كشف أسبابها وأهدافها. ولكن الباحث التاريخي , عند معالجته لأسباب الصدام , يتجاوز الأحداث المعاصرة لينبش في تربة التاريخ , عن جذور الصراع وهو عندما يفعل , فإنما يبحث عن البذور الدفينة التي تخفي على العين المجردة , فتكون أشبه بالميكروب الكامن في حشايا الجسم , يدق على النظرة العجلى , قد يخمن حينا وينشط حينا آخر , ولكنه في جميع الأحوال كامن وموجود يؤدي دوره عندما يتهيأ له المناخ المناسب.
وقصة الصراع بين العراق وإيران موغلة في القدم , ولا نعدو الحقيقة إذا كانت ضمن الفصول الدرامية التي دارت أحداثها على مسرح الشرق القديم , ثم أخذت عروضها تتجدد من خلال دورات زمنية تتعاقب بتعاقب الدول التي توالت على البلدين الجارين.
من المؤكد أن الفتح الإسلامي لفارس-عن طريق العراق- هو أهم وأخطر هذه الدورات الصدامية , ولكنه بالقطع لم يكن أولها , فقد سبقته ملاحم كما لحقته دورات , تشكل في النهاية سلسلة متصلة من صدام الصراع بين القطبين , كتب عليهما أن يتجاورا فتنافرا , حتى انطبقت عليهما القاعدة التي تقول (( إن القطبين المتشابهين متنافران ) ).
? أنه صراع أشباه , مثلما هو صراع أضداد على حد تعبير العلامة جمال حمدان في موسوعته (( شخصية مصر ) ).
ولا يمكن تفسير هذه المعادلة الصعبة , إلا في ضوء المنابع التاريخية للشعبين.
كلاهما آسيوي ومسلم , وتلك عناصر التشابه.
? ولكنهما يختلفان عرقيًا:
? فأحدهما سامي عربي. اضطرته ظروف الجفاف التي عمت الجزيرة العربية في أعقاب عصر الجليد , إلى الهجرة والاستيطان على ضفاف الرافدين الخصيبة.