أرأيت- عزيزي القاريء أهمية قراءة التاريخ بعين عصرية ؟ وهل وجدت في الأفكار التي تحاصرك الآن صدى لتلك الأفكار القديمة التي لعبت دورها في مسار التاريخ الإسلامي , وكلفت المسلمين غاليًا.. من الدماء والأنفس والأموال. وهل اقتنعت بأن أحداث التاريخ سلسة يجر بعضها بعضًا ؟!
أنني أقول دائمًا أن قراءة التاريخ ليست متعة ذهنية , نزهة خلوية , للهروب من الواقع . ولكنها أشبه بناقوس يزعج الغافلين ويدعوهم إلى اليقظة والحذر.. ولاعتبار وفهم الحاضر على ضوء الماضي.
أسأل الله يحفظ أرض الكنانة من كل سوء وأن يقيها شر الهوس واضطراب الأعصاب , وأن يحميها من كيد الكائدين , إنه سميع مجيب.
الفصل الرابع
جذور الصراع بين الفرس والعرب
إذا كان التاريخ مجموعة حلقات متصلة , أو سلسلة من الأحداث يفضى احدها إلى الآخر , فإن عصرنا الحالي هو بالوراثة , ابن شرعي للأزمنة الغابرة , ويكون الماضي عاملًا مؤثرًا في تشكيل مادة الحوادث التي تجري على مسرح الحياة المعاصرة. قد تستغرق عملية التشكيل والتخليق قرونًاُ طوالًا , ولكن المهم أن عملية التخمر تتم تحت السطح حتى تفرز في النهاية أحداثًا جسامًا , نتصور أنها نتاج عوامل آنية , وما هي- في الحقيقة- إلا محصلة تفاعلات كيميائية , اختلطت فيها عناصر التاريخ بالجغرافيا السياسية.
وإذا كانت قشرة التاريخ البشري- بالقياس إلى التاريخ الطبيعي- لا تتعدى عدة ألوف من السنين , فأنه يمكننا من خلال تتبع حركة الجماعات الإنسانية وانتقالها وراء الخصب , أن نتلمس الظروف التي جمعت أو فرقت بين هذه الجماعات ومن ثم يمكن أن نضع أيدينا على المفاتيح التي تكشف لنا عن مكنون العلاقات التي قامت بين الجماعات منذ وقت مبكر فحددت نظرة كل منها إلى الآخر , ومن ثم باتت تلك النظرة ضمن التراث التاريخي الذي يخلفه الأجداد للحفدة.