فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 136

ولكي نفهم المنابع التي نبت منها الخوارج والعوامل التي أثرت في عقولهم , لنستمع إلى الإمام الجليل الشيخ محمد أبو زهرة وهو يصف لنا القوم وقد جمعوا بين صفات متناقصة هي التقوى والإخلاص والانحراف والهوس والتشدد والخشونة والجفوة والتهور فيقول: إن أكثر الخوارج كانوا من عرب البادية الذين عاشوا في فقر شديد قبيل الإسلام , فلما جاء الإسلام لم تزد حالهم المادية حسنا لأنهم استمروا في باديتهم بشدتها وصعوبة الحياة فيها , وأصاب الإسلام شغاف قلوبهم مع سذاجة في التفكير وضيق في التصور وبعد عن العلوم , فتكوّن من مجموع ذلك نفوس مؤمنة متعصبة لضيق نطاق العقول , ومتهورة ومندفعة لأنها نابعة من الصحراء وزاهدة لأنها لم تجد , إذ النفس التي لا تجد إذا عمرها إيمان ومس وجدانها اعتقاد صحيح انصرفت عن الشهوات المادية وملاذ الحياة , واتجهت إلى نعيم الآخرة وكانت هذه الحياة الخشنة في البيداء دافعة لهم على الخشونة والقسوة والعنف , والنفس صورة لها تألف ولو أنهم عاشوا عيشة رافعة لخفف ذلك من عنفهم وألان صلابتهم ورطب شدتهم.

ويعقد الشيخ أبو زهرة مقارنة بين الخوارج , واليعاقبة الذين قادوا تيار الإرهاب في أثناء الثروة الفرنسية الكبرى فيقول عن الخوارج: (( إنهم ليشبهون - في استحواذ الألفاظ البراقة على عقولهم ومداركهم - اليعاقبة الذين ارتكبوا أقصى الفظائع في الثرة الفرنسية فقد استولت على هؤلاء ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة وباسمها قتلوا الناس وأهرقوا الدماء وأولئك استولت عليهم ألفاظ الإيمان ولا حكم إلا لله. والتبرؤ من الظالمين وباسمها أباحوا دماء المسلمين ثم خضبوا الدماء السلامية بنجيع الدماء ) ).

ثم يقول: (( ومن صفاتهم الإسلامية , حب الفداء والرغبة في الموت والاستهداف للمخاطر من غير داع يدفع إلى ذلك وربما كان منشؤه هوسًا عند بعضهم واضطرابًا في أعصابهم , لا مجرد شجاعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت