أقول إن المصريين ـ والمسلمون والمسيحيون سواء في ذلك ـ فهموا الدين على هذا النحو الخلاق ، ونفروا عما سواه من مفاهيم منحرفة .. ولذلك لا تجد في تاريخ المصريين تلك المذابح التي قامت بين أتباع المذاهب المسيحية في أوروبا ـ الكاثوليك والبروتستانت ـ ولا تجد في تاريخ المصريين تلك المواجهات الدموية التي قامت بين أتباع الفرق الإسلامية .
مصر الإسلامية ، هي نفسها مصر المسيحية في فهمها للدين الصحيح ، ورفضها للغلو والتعصب والتناحر ، هكذا وقفت في وجه الإمبراطورية الرومانية ، وهي في عنفوان غرورها . وعندما أرادت بيزنطة المسيحية أن تلعب على وتر التعصب المذهبي وتجبر المصريين على اعتناق مذهبها المنحرف ، رفض الأقباط ، وظلوا على فهمهم للمسيحية كما تلقوا عن القديس مرقص , ودفعوا الثمن غاليًا من دماء شهدائهم ومن كفاح رهبانهم.
واتخذ المصريون نفس الموقف المستنير عندما هبت عليهم ريح الخلاف بين الفرق الإسلامية المتناحرة على الحكم , ورفضوا الانحياز إلى أي منها , ولذلك لم يجد الشيعة لهم سوقًا في مصر إلا عن طريق الغزو الفاطمي , وكذلك لم تجد أفكار الخوارج من يعتنقها.
? لماذا رفض المصريون دعوى الخوارج ؟
لأنهم شطوا في أفكارهم واغتروا بإيمانهم , فزعموا أنهم وحدهم المؤمنون حقا , ومن خالفهم كافر حتى لو كان مسلمًا يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر , المسلم في نظرهم كافر إذا ارتكب معصية وحكموا عليه بأنه مخلد في النار.
هكذا أعلنوها في تبجح وعتو وغرور في وجه إمام الهدى علي بن أبي طالب , كرم الله وجهه الذي كان أول صبي يدخل الإسلام , والذي تربى في كنف النبي صلى الله عليه وسلم , وحكموا عليه بالكفر - كبرت كلمة تخرج من أفواههم - لمجرد أنه قبل التحكيم في خلافه مع معاوية.