فصل في: أنَّ أولياء الله لا يتميزون بالأمور المباحة والظاهرة عن باقي الناس
وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحًا، ولا بحلق شعر أو تقصير، أو ظفره، إذا كان مباحًا، كما قيل: كم من صديق في قباء وكم من زنديق في عباء، بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويجدون في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجار والصناع والزراع. وقد ذكر الله أصناف أمة محمد صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] ، وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم: القراء: فيدخل فيهم العلماء والنساك، ثم حدث بعد ذلك اسم الصوفية والفقراء. واسم الصوفية هو نسبة إلى لباس الصوف، هذا هو الصحيح [1] . وقد قيل: إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء، وقيل: إلى صوفة بن أد بن طانجة قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك، وقيل: إلى أهل الصفة، وقيل: إلى الصفا، وقيل: إلى الصفوة، وقيل: إلى الصف المقدم بين يدي الله تعالى، وهذه أقوال ضعيفة، فإنه لو كان كذلك لقيل صفي أو صفائي أو صفوي أو صفي ولم يقل صوفي. وصار - أيضًا - اسم الفقراء، يعني: به أهل السلوك، وهذا عرف حادث، وقد تنازع الناس أيما أفضل: مسمى الصوفي أو مسمى الفقير [2] ؟. ويتنازعون -أيضًا- أيهما أفضل: الغني الشاكر أو الفقير الصابر؟.
(1) رحم الله الإمام؛ لو كان يعرف غير العربية لعرف أن هذه الكلمة دخيلة ليس لها أصل في لغة العرب؛ والتصوف علم قديم نشأ عند براهمة الهند ثم سرى إلى مجوس العجم ثم إلى الوثنيين من اليونان وحين ترجمت كتب اليونان في عصر المأمون دخلت هذه الكلمة بلفظها ومعناها في العربية وأخذها عشاق الجديد من المسلمين وأدخلوها في العلوم الإسلامية.
(2) لا خير في هاتين الكلمتين ولا فضل لهما فإن الإسلام وضع كلمة طيبة تدل على فرط انصراف العبد إلى طاعة الله تعالى وهي الإحسان وهي أن تعبد الله كأنك تراه كما جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر.