الصفحة 32 من 109

وهذه المسألة فيها نزاع قديم بين الجنيد وبين أبي العباس بن عطاء، وقد روي عن أحمد بن حنبل فيها روايتان، والصواب في هذا -كله- ما قاله الله - تبارك وتعالى- حيث قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] ،

وفي الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: «أي الناس أفضل؟ قال: أتقاهم. قيل له ليس عن هذا نسألك، فقال: يوسف -نبي الله- ابن يعقوب - نبي الله - ابن إسحاق - نبي الله - ابن إبراهيم خليل الله. فقيل له: ليس عن هذا نسألك. فقال: عن معادن العرب تسألوني؟. الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» .

فدلَّ الكتاب والسنة إنَّ أكرم الناس عند الله أتقاهم.

وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى. كلكم لآدم وآدم من تراب» . وعنه أيضًا صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله -تعالى- أذهب عنكم عبية [1] الجاهلية، وفخرها بالآباء. الناس رجلان: مؤمن تقي، وفاجر شقي» .

فمن كان من هذه الأصناف أتقى لله، فهو أكرم عند الله، وإذا استويا في التقوى استويا في الدرجة.

ولفظ: الفقر - في الشرع- يراد به: الفقر من المال، ويراد به: فقر المخلوق إلى خالقه كما قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15] .

وقد مدح الله تعالى في القرآن، صنفين من الفقراء: أهل الصدقات وأهل الفيء، فقال في الصنف الأول: لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ

(1) في النهاية أي الكبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت