حجته على ذلك إما مكاشفة سمعها منه أو نوع من تصرف مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو صرع، فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين - من المشركين وأهل الكتاب- لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية [1] كالكهان والسحرة وعباد المشركين وأهل الكتاب، فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليًا لله وإن لم يعلم منه ما يناقض ولاية الله، فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله، مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلما باطنًا وظاهرًا بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر دون الحقيقة الباطنة، أو يعتقد أن لأولياء الله طريقًا إلى الله غير طريق الأنبياء عليهم السلام. أويقول: إن الأنبياء ضيقوا الطريق أو هم على قدوة العامة دون الخاصة ونحو ذلك مما يقوله بعض من يدعي الولاية فهؤلاء فيهم من الكفر ما يناقض الإيمان. فضلًا عن ولاية الله عز وجل. فمن احتج بما يصدر عن أحدهم من خرق عادة على ولايتهم كان أضل من اليهود والنصارى.
وكذلك المجنون، فإن كونه مجنونًا يناقض أن يصح منه الإيمان والعبادات التي هي شرط في ولاية الله ومن كان يجن أحيانًا ويفيق أحيانًا. إذا كان في حالة إفاقته مؤمنًا بالله ورسوله ويؤدي الفرائض ويجتنب المحارم، فهذا إذا جن لم يكن جنونه مانعًا من أن يثيبه الله على إيمانه وتقواه الذي أتى به في حال إفاقته ويكون له من ولاية الله بحسب ذلك. وكذلك من طرأ عليه الجنون بعد إيمانه وتقواه، فإن الله يثيبه ويأجره على ما تقدم من إيمانه وتقواه، ولا يحبطه بالجنون الذي ابتلي به من غير ذنب فعله والقلم مرفوع عنه في حال جنونه.
فعلى هذا فمن أظهر الولاية وهو لا يؤدي الفرائض ولا يجتنب المحارم - بل قد يأتي بما يناقض ذلك - لم يكن لأحد أن يقول: هذا ولي لله، فإن هذا إن لم يكن مجنونًا بل كان متولهًا من غير جنون؛ أو كان يغيب عقله بالجنون تارة ويفيق أخرى؛ وهو لا يقوم بالفرائض بل يعتقد أنه لا يجب عليه اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر، وإن كان مجنونًا باطنًا وظاهرًا قد ارتفع عنه القلم، فهذا وإن لم يكن معاقبًا
(1) قد أثبتت التجارب في هذه العصور عصور النور أن تلك الأمور كلها خدع وأباطيل مبنية على مواطئات.