الصفحة 28 من 109

فصل في: أنَّ التقوى شرط لنيل الولاية

وإذا كان العبد لا يكون وليًا لله إلا إذا كان مؤمنًا تقيًا، لقوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) } [يونس: 62 - 63] ، وفي صحيح البخاري، الحديث المشهور - وقد تقدم- يقول الله -تبارك وتعالى - فيه: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» ، ولا يكون مؤمنًا تقيًا حتى يتقرب إلى الله بالفرائض فيكون من الأبرار أهل اليمين، ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من السابقين المقربين، فمعلوم أن أحد من الكفار والمنافقين لا يكون وليًا لله. وكذلك من لا يصح إيمانه وعباداته، وإن قدر أنه لا إثم عليه مثل أطفال الكفار ومن لم تبلغه الدعوة وإن قيل إنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم رسول، فلا يكونون من أولياء الله إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين فمن لم يتقرب إلى الله لا بفعل الحسنات ولا بترك السيئات لم يكن من أولياء الله. وكذلك المجانين والأطفال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ» . وهذا الحديث قد رواه أهل السنن من حديث علي وعائشة -رضي الله عنهما- واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقبول. لكن الصبي المميز تصح عبادته ويثاب عليها عند جمهور العلماء. وأما المجنون الذي رفع عنه القلم فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء. ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من العبادات، بل لا يصلح هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة والصناعة. فلا يصلح أن يكون بزازًا ولا عطارًًا ولا حدادًا ولا نجارًا ولا تصح عقوده باتفاق العلماء. فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراراه ولا شهادته. ولا غير ذلك من أقواله بل أقواله - كلها- لغو لا يتعلق بها حكم شرعي ولا ثواب ولا عقاب. بخلاف الصبي المميز فإن له أقوالًا معتبرة في مواضع بالنص والإجماع وفي مواضع فيها نزاع.

وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل وامتنع أن يكون وليًا فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه ولي الله، لاسيما أن تكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت