الذين تُسبُّ أصنامهم وآلهتهم وأوثانهم إذا سمعوا ذلك من المسلمين سبوا إله المسلمين فما هو الحكم حينئذٍ؟ {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الأنعام: من الآية108) . إذًا نتمنع عن سب آلهتهم إذا كانوا سيسبون إلهنا. وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:216) . فالقتال الجهاد فيه إذهاب النفس والمال وتيتم الأطفال وترمل النساء، وهذه ولا شك أشياء مكروهة. لكن لما كان له مصلحة عظيمة في انتشار الإسلام في الأرض صارت هذه المكروهات مُتحملة في سبيل المصلحة العظيمة. قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا} (العنكبوت: من الآية8) . لا شك أن طاعة الوالدين مصلحة، لكن لما صارا يأمران بمفسدة الشرك، مفسدة الشرك غالبة ولو تكدّر الوالدان، ولو شعرا بالعقوق. لأن حق الله مقدم. وهكذا. وفي السنة النبوية قال عليه الصلاة والسلام: يا عائشة! لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم [1] . فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض وجعلت له بابين: بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا فبلغت به أساس إبراهيم. رواه البخاري. بنى إبراهيم الكعبة أوسع من البناية الموجودة الآن، مستطيلة. لكن لما جاء سيلٌ في عهد قريشٍ وهدمها، وآلوا إلا أن يجدوا مالًا حلالًا ليبنوا به بيت الله لم يجدوا من الحلال الخالص إلا قدر هذه البناية الموجودة الآن، فجعلوا الحجر هذا حدودًا ليعرف الناس أن البقية من الكعبة. فمن صلى داخل الحجر فهو داخل الكعبة يصلي. النبي عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة تمنى أن يعيد الكعبة على ما كان أبوه إبراهيم قد بناها عليه، وأن ينزل ببابها إلى الأرض ليتمكن الناس من الدخول والخروج، وأن يجعل لها بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا. لكنه عليه الصلاة والسلام خشي. هؤلاء قومٌ حديثو عهدٍ بجاهلية. لم يتمكن الإيمان من قلوبهم. لو فعل هذا قالوا: بدل وغير. وربما تحصل ردة، وتحصل فتنة لأولئك القوم. النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الآخر: لا تقطع الأيدي في الغزو. رواه أبو داود وهو حديث صحيح. حد السرقة إقامته مصلحة واضحة جدًا. ولكن في الغزو أُخِّرَ إقامة الحد مع أن تأخير إقامة الحد فيه مفسدة. لماذا؟ لأن صاحب الحد قد يلحق بالمشركين. إنهم الآن خارج سلطان الإسلام وبلد الإسلام وهم قريبون من الأعداء فربما صارت القضية وآلت إلى أن تبلغ الحميّة والغضب بهذا المقطوع أن يلحق بالكفار. قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: لعن الله زوارات القبور. لا شك أن زيارة النساء للقبور فيها مصلحة، ويحصل لهن تذكر واتّعاظ كما للرجال. ولكن لما كانت القضيّة يمكن أن تشتمل على مفاسد كبيرة من فتنة الأحياء وإيذاء الأموات والفساد الذي لا سبيل إلى منعه إلا بمنعهن , ولما علم من رقتهن الزائدة وقلة صبرهنّ بالنسبة للرجال. وماذا سيكون الحال لو جاءت امرأةٌ إلى المقبرة في الليل وماذا يمكن أن يحدث؟ منعت الشريعة زيارة النساء للمقابر. وهكذا في قتل المنافقين كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار أهون الشرين ويصبر على المفسدة الأدنى. {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} (الكهف: من الآية79) . خرق الخضر السفينة، وخرق السفينة مفسدة. هل هذا الإحسان لمن حملوهما بغير أجرة؟ لكن كان وراءهم ظالم. {مَلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} (الكهف: من الآية79) . ليدرأ الضرر. لأن اغتصاب السفينة مفسدته أشد من خرق السفينة. ولذلك لما دار الأمر بين مفسدتين:
(1) الكعبة هذه نقضت حجرًا حجرًا.