فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 10

إن ربنا تعالى حكيمٌ في شرعه، حكيمٌ في قدره، لا يأمرنا بشيء إلا وفيه مصلحةٌ للعباد. {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} (النحل: من الآية90) . ومن تتبّع أحكام الشريعة وجدها تدور على جلب المصالح وتكثيرها. ودرء المفاسد وتقليلها. فما من خيرٍ إلا جاءت به، وما من شرٍ إلا وقد حذّرت منه. فهي مبنية على الحكم ومصالح العباد. وكل مسألةٍ خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة في شيءٍ قطعًا. وقد جاءت الشريعة بحفظ الضروريات الخمس في دين الناس الإسلام والنفس والعقل والعرض والمال. ولا تخلو أحكام الشريعة إما من تحقيق مصلحةٍ للناس أو دفع مفسدةٍ عنهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ضرر ولا ضرار. وقاعدة جلب المصلحة ودفع المفسدة عليها مدار أحكام الشريعة. وقد تكون المفسدة خالصةً كالشرك. وقد تكون المصلحة خالصة كالتوحيد. وقد تكون القضية فيها مصلحةٌ ومفسدة. فإذا كانت مختلطة فتنظر الشريعة في أيها الغالب: المصالح أو المفاسد. فنرى مثلًا في الخمر {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (البقرة: من الآية219) الميسر يكسب فيه من يكسب، مصلحة. لكن يخسر في المقابل العدد الهائل من الناس يدفعون ولا يأخذون شيئًا. الخمر يستفيد منه تاجر الخمر، وربما يكون فيها شيءٌ من التدفئة لأهل البلاد الباردة. قد يكون فيها شيءٌ من المصلحة، لكن ما تحدثه من مفسدة ذهاب العقل وما ينشأ عنه من القتل والاغتصاب والطلاق والشجار ونحو ذلك من أنواع المعاصي والشر كثيرٌ جدًا. ولذلك حرّمت الشريعة الخمر والميسر. وقد تكون المصلحة أكبر مع وجود مفسدةٍ محتملة. فأجازت الشريعة في الأحوال العادية بيع العنب، والسكين. مع أنه من المحتمل أن بعض من يشتري العنب يتخذه خمرًا وبعض من يشتري السكين يفعل به جريمةً. لكن لأن الأكثر في الأحوال العادية المصالح أذنت الشريعة بذلك. وإذا تساوت المصالح والمفاسد، تعارضت وتساوت في الوزن، قُدِّم دفع المفسدة لأن اعتناء الشريعة بترك المنهيّات أشد من فعل المأمورات من جهة الاستطاعة. يعني قال صلى الله عليه وسلم: إذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيءٍ فاجتنبوه. ما قال: ما استطعتم. إذًا قضية النواهي والمناهي من هذه الجهة أشد. قال العز بن عبد السلام رحمه الله: إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك امتثالًا لأمر الله تعالى فيهما، لقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} وإن تعذر الدرء والتحصيل فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة. وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة حصّلنا المصلحة. وقال ابن القيم رحمه الله: وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخلو عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت قُدِّم أهمُّها وأجلها، وإن فاتت أدناها. وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وإن تزاحمت عطل أعظمها فسادًا باحتمال أدناها. وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه دالّةً عليه وشاهدةً له بكمال علمه وحكمته. وإذا أخذنا أمثلة من القرآن فقد قال تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (الأنعام: من الآية108) . ما هو الذي يُدعى من دون الله؟ الصنم الوثن الشجر الحجر، يُدعى من دون الله. هل هذا الصنم والوثن لا يستحق السبّ؟ أو لا يجوز سبّه أصلًا؟ بل إن سبّه وشتمه قربة إلى الله، لأن في ذلك توبيخًا لعابديه، وبيان أنه لم يدفع عن نفسه السب والشتم. بيان الخزي لعمل هؤلاء. ولكن لو كان الكفار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت