المبحث الثالث
ضوابط الترجيح بين الجرح والتعديل
عند التعارض
من المسائل التي شغلت بال المشتغلين بالحديث ومصطلحه تنازع الجارحين والمعدلين في الراوي الواحد. فيجتمع فيه جرح الجارحين وتعديل المعدلين، وقد تكلم علماؤنا في مثل هذا فقالوا: (إذا اجتمع في شخص جرح وتعديل، فالجرح مقدم، لأن المعدل يخبر عما ظهر من حاله، والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدل) (1) .
... لكن الأمر لا يستتب بهذه السهولة لأنا لو أسقطنا كل من اجتمع فيه جرح وتعديل لما بقي من يحتج بحديثه إذ ما من راو إلا وتكلم فيه بعض من تكلم بحق أو بغير حق. لذا فإن أئمة الحديث وضعوا منهجا للترجيح بين الروايات المتعارضة في الرجال. ووضعوا شروطا وتفاصيل توضح الإجمال الذي ذكروه من تقديم الجرح على التعديل.
... وفي مبحثنا هذا سنحاول إن شاء الله أن نجمع كل ما أمكننا من وسائل الترجيح بين الجرح والتعديل إذا اجتمعا في راو واحد. لكي نكون على بينة من عمق وأصالة هذا المنهج الإسلامي الرفيع في الجرح والتعديل وسنضرب لكل وسيلة بمثل يوضح ما نرمي إليه ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
الضابط الأول: اعتبار منهج ذلك الإمام إلى غيره من الأئمة.
(1) -مقدمة ابن الصلاح/ 224.