الأرض وأحب بلاد الله إلى الله، ومع ذلك ما ارتبطت بها دعوة الإسلام عندما رفض أهلها الإسلام وأبوا أن يتابعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد خرج إلى قبائل العرب يقول: (من يحملني إلى قومه فأبلغ رسالة ربي؟) - صلى الله عليه وسلم -، حتى منَّ الله عليه بالأنصار, وفتح الله قلوبهم للإيمان، وفتح المدينة المنورة بهذا الإيمان، وانتشر النور، ومنها خرج إلى أرجاء الأرض كلها حتى مكَّن الله - عز وجل - لرسوله بمكة المكرمة، لكن حرَّم على المهاجرين أن يقيموا بمكة وأن يرجعوا إليها؛ لأن ثواب الهجرة أعظم من عبودية المسجد الحرام الذي الصلاة فيه تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد، فسبحان الله .. ومع كون المسجد النبوي الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا أن الصحابة الذين فقهوا حقيقة هذا الدين، وما أُمروا به انطلقوا في المشارق والمغارب، ولم يؤثروا أن يسكنوا المدينة، وآثروا الجهاد، وعندما فتحت الأمصار آثروا تعليم الناس أمور دينهم، ومكثوا في البلاد يعلمون الناس ويفقهونهم، فعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - يعلم أهل الكوفة وأهل العراق، وكذلك أبو موسى ومعاذ وحذيفة ومعاوية - رضي الله عنهم - في الشام، وآخرون كانوا بمصر، وفي المشارق والمغارب في الأرض ينشرون الدين ويعلمون الناس الخير، فما ارتبطوا بمكان مع فضله وشرفه، وما آثروا المكث بأرض تتضاعف فيها العبادة على أن يخرجوا إلى البلاد لينشروا دين الله سبحانه وتعالى؛ لأن دعوتهم ليست ترتبط بمكان معين.
بل وأعظم من ذلك فدعوة الإسلام لا ترتبط بشخص معين، وأي الناس أعظم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ خير الخلق، وسيد ولد آدم، وخاتم النبيين، وإمام المرسلين، الشافع المشفَّع، خليل الرحمن، صاحب المقام المحمود .. لا أحد أرفع منزلة ولا أعظم درجة منه - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك عتب الله على الصحابة - رضي الله عنهم - أن ترتبط دعوتهم والتزامهم بشخصه - صلى الله عليه وسلم - حين أُشيع في غزوة أحد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مات، فترك بعض الصحابة القتال, وبعضهم كان أفقه وأعلم فقال:"قوموا فموتوا على ما مات عليه"