وفي القضاء بخصوص معرفة من يقضى عليه القاضي أو له (قال مالك لا يجوز قضاؤه على من لا تجوز عليه شهادته) [1] وهل يقضي بعلمه (وأما من جهة المعنى فالتهمة اللاحقة في ذلك للقاضي) [2]
وفي الإشهاد اعتبروا (التهمة التي سببها المحبة فإن العلماء أجمعوا على أنها مؤثرة في إسقاط الشهادة) [3] ومما اتفقوا عليه رد شهادة الأب لابنه والابن لأبيه وكذلك الأم لابنها وابنها لها، وكذا مما اتفقوا على إسقاط التهمة فيه شهادة الأخ لأخيه (ما لم يدفع بذلك عن نفسه عارا على ما قال مالك وما لم يكن منقطعا إلى أخيه ينال بره وصلته ما عدا الأوزاعي فإنه قال لا تجوز) [4] ورد مالك شهادة الزوجين.
ارتباط سد الذرائع بالمقاصد:
والناظر إلى إعمال هذا الأصل في الشريعة ومن خلال النماذج التي تم استعراضها، يقف على ارتباطه الوثيق بمقاصد الشرع في حفظ الضروريات ومراعاة الحاجيات، فنجد هاجس حفظ الدين في أن تكون الطهارة سليمة والصلاة كاملة وصحيحة وشروط الصوم متحققة والحج مقبول غير منقوص والاحتياط لتطبيق النصوص والالتفات للأثر، والجدية في التعامل مع رسوم الشريعة وألفاظها وعدم التلاعب والاستهتار بها (مثل التشدد في ألفاظ الطلاق) ، والبعد عن الشبهات فيما ياكل الإنسان وما يشرب وما يتداول من أموال، وكذا هاجس حفظ النفوس في التشديد على القاتل فردا أو جماعة.
وكذا حفظ العقول في عدم التساهل مع القليل المسكر، وكذا حفظ الحقوق والأموال، فالمقصود من الإشهادة في الزواج سد ذريعة الاختلاف أو الإنكار، وحفظ حقوق المرأة في صداقها الكامل، وحقوق المطلقة في مرض الموت، وحقوق الورثة في نكاح مرض الموت، وكذا حفظ الأموال من جميع صور الغبن والغرر وأشكال الربا وأنواع التحايل، فإذا ندم المشتري مثلا وسأل الإقالة على أن يعطي البائع الثمن نقدا أو إلى أجل أبعد من الأجل الذي وجبت فيه المسألة فوجه (ما كره من ذلك مالك أن ذلك ذريعة إلى قصد بيع الذهب بالذهب إلى أجل وإلى بيع ذهب وعرض بذهب) [5] ومن رأى الضمان فلا دليل له إلا النظر إلى المصلحة وسد الذريعة [6]
وفي حفظ الأعراض والأنساب، فالمقصود من الإحداد أن يكون سدا للذريعة لمكان حفظ الأنساب، ويمنع تعريض الأمة لما يدفعها إلى فاحشة الزنا، ويطلب الستر الكامل للعورة، ولمقصد العدل منع القضاة للقضاء لمن لا تجوز شهادتهم له ومنع الشهود في قضايا تهم الآباء والأبناء.
(1) بداية المجتهد ج: 2 ص: 353
(2) بداية المجتهد ج: 2 ص: 352
(3) بداية المجتهد ج: 2 ص: 347
(4) بداية المجتهد ج: 2 ص: 347
(5) بداية المجتهد ج: 2 ص: 106
(6) بداية المجتهد ج: 2 ص: 175