فهرس الكتاب

الصفحة 937 من 979

فالمقاصد في عمقها نبيلة ومشروعة، وما يلاحظ أحيانا من تشدد وزيادة في الاحتياط، قد يكون من قبيل التركيز على جوانب من المقاصد والغفلة عن الأخرى، أو استحضار أطراف ونسيان آخرين، فمثلا من يغلظون الأحكام في الطلاق يركزون على الزوج وعلى حرمة ألفاظ الشرع ويغفلون عن الزوجة والأولاد ومقاصد الأسرة في إدامتها قدر المستطاع. ومن يغفل أحيانا عن بعض المصالح يركز أكثر على حرمة النص باعتباره ركيزة الدين الذي تحفظ به المصالح الكبرى للأمة والدار الآخرة.

كما يلاحظ من الناحية العملية والتطبيقية أن أكثر من نصف المسائل المعروضة في سد الذرائع يقول بها الجمهور، ولا ينفرد بها المالكية. الأمر الذي يفيد أن كثيرا من الخلافات النظرية والأصولية يضعف أثرها كلما كان الاشتغال بالتنزيل والتفريع.

قواعد في إعمال سد الذرائع:

إذا تحقق المقصد يتجاوز عما منع سدا للذريعة:

ففيما يجزىء من اللباس في الصلاة ذكر ابن رشد بالأصل الذي يتمثل في قوله تعالى: (خذوا زينتكم عند كل مسجد) والنهي الوارد عن هيئات بعض الملابس في الصلاة كاشتمال الصماء [1] ثم بين أن سائر ما ورد من ذلك كله إنما ورد سدا لذريعة انكشاف العورة، ثم قال: (ولا أعلم أن أحدا قال لا تجوز صلاة على إحدى هذه الهيئات إن لم تنكشف عورته وقد كان على أصول أهل الظاهر يجب ذلك) [2] الأمر الذي يفيد أن النهي ورد على سبيل الاستحباب والأفضل، وأنه إذا تحقق المقصد الذي هو ستر العورة، يخف النهي من التحريم على الكراهة ويتجاوز عما منع سدا للذريعة.

ما يؤمر به أو يمنع سدا للذريعة لا يعتبر دائما أصلا بذاته يقاس عليه ويبنى عليه غيره:

فمالك لا يجوز شاة واحدة بشاتين إلى أجل إلا أن تكون إحداهما حلوبة والأخرى أكولة أي عند اختلاف الأغراض بينهما، وعمدته في مراعاة منع النساء عند اتفاق الأغراض سد الذريعة باعتبار أنه لا فائدة ترجى من هذه المعاملة إلا أن يكون من باب سلف يجر نفعا وهو محرم، وقد قيل عنه إنه أصل بنفسه (ويشهد لمالك ما رواه الترمذي عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحيوان اثنان بواحد لا يصلح النساء ولا بأس به يدا بيد) وقال ابن المنذر ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى عبدا بعبدين أسودين واشترى جارية بسبعة أرؤس وعلى هذا الحديث يكون بيع الحيوان بالحيوان يشبه أن يكون أصلا بنفسه لا من

(1) وهو أن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء

(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 83

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت